30/04/2026
قد نظن أن ما مررت به انتهى، لكن الجسد لا ينسى بسهولة.. وليست كل الجروح تُرى، فبعضها يسكنك من الداخل، لا في الذاكرة فقط، بل في العضلات، في النفس، في طريقة الوقوف والمشي، وفي تلك الآلام التي لا تجد لها تفسيرًا واضحًا!
في علم النفس الحديث، لم يعد يُنظر إلى الصدمة على أنها مجرد تجربة نفسية عابرة، بل نذبة يحتفظ بها الجهاز العصبي،
وتُترجم لاحقًا إلى إشارات جسدية صامتة.
حين يتعرض الإنسان لحدث صادم أو لممارسات قاسية باستمرار، لا يتفاعل العقل وحده بل يدخل الجسد في حالة تأهب قصوى، ويمكن أن تتسارع نبضات القلب، يحدث شدّ عضلي.. ثم ارتفاع لهرمونات التوتر (الكورتيزول).
والمشكلة ليست في هذه الاستجابة، بل في بقائها بعد انتهاء الحدث. فالصدمة ليست ما حدث لك بل ما بقي عالقًا داخلك بعدها، فهنا يبدأ الجسد في “تخزين” التجربة، ليس كقصة بل كإحساس يُعاد باستمرار.
ورغم أن الصدمة تجربة شاملة، إلا أن هناك مناطق شائعة قد يتمركز فيها الألم، كالكتفين والرقبة، الذي قد تعاني من الشد المستمر، أو الإحساس بالثقل الغير مبرر وهذا غالباً مايرتبط بالضغط والمسؤوليات المتراكمة.
كذلك الصدر والمعاناة الدائمة من ضيق التنفس والخفقان، وهذا مرتبط بالقلق والخوف غير المُعَالج. كذلك المعدة التي قد تعاني من اضطرابات هضمية وألم دون سبب عضوي واضح، وهي ما تُعرف بـ “الدماغ الثاني” حيث ترتبط الأمعاء مباشرة بالحالة النفسية.
منطقة الفك كذلك قد تعاني من الشدّ أو ما يسمى بصرير الأسنان، وهو تعبير عن توتر مكبوت أو غضب غير مُعبَّر عنه. والحوض وأسفل الظهر الذي قد يعاني من آلام مزمنة، حيث تشير بعض الدراسات إلى ارتباط هذا الألم بصدمات عاطفية عميقة أو إحساس بفقدان الأمان.
يتحول الألم النفسي إلى جسدي في ظاهرة تُعرف بالتجسيد النفسي، حيث لا يستطيع العقل معالجة الألم بالكامل، فيحوّله الجسد إلى أعراض ملموسة، لأن الجهاز العصبي لا يزال في حالة استجابة.
فالجهاز العصبي… في حالة الصدمات قد يظل عالقًا في وضع “الخطر” حتى في غياب التهديد، فتظهر أعراض مثل التوتر الدائم، اليقظة المفرطة أو الخمول والانطفاء.
والصّدمة لا تُخزن فقط كذكرى… بل كإحساس حيّ في الجسد
ولهذا، قد يذكّرك موقف بسيط بشعور قديم دون أن تفهم لماذا،
فالجسد يتذكر… حتى لو نسي العقل التفاصيل.
قد يساعدك العلاج النفسي على فهم وإعادة معالجة التجربة، كذلك تقنيات الجسد كالتنفس العميق، اليوغا، تمارين الاسترخاء.. تعيد للجهاز العصبي توازنه. كما أن الوعي بالجسد قد يبدأ بطرح بعض الأسئلة مثل: أين أشعر بالتوتر؟ ماذا يقول جسدي؟
فالجسد ليس مجرد وعاء نحمله، بل شريك صامت في كل ما نعيشه، فما لا يُقال… يُخزَّن، وما لا يُفهم… يُعاد عيشه. فإذا شعرت يومًا أن جسدك يثقلك أو يؤلمك دون سبب واضح
فربما ليس جسدك هو المشكلة، بل قصة لم تُروَ بعد وشعور ينتظر أن يُفهم.