05/01/2026
"والله ما هو ابني يا دكتور… ده حد غريب سكن جواه!" 😳🧠
في ليلة من الليالي اللي مابتتنسيش، وفي وقت متأخر من الليل بعد يوم طويل من العمل المُجهِد جالي اتصال استغاثة من أسرة بتطلب مني اني آجي بسرعة الحق ابنهم ... قالوا لي: "يا دكتور، الحالة بتضيع مننا، مش عارفين هو ماله، اتغير فجأة وبقى شخص تاني!". نزلت من البيت وأنا في بالي ألف سيناريو، بس أول ما دخلت البيت، كانت الصدمة اللي لجمت لساني.
المريض اللي نايم قدامي، "التائه" اللي عيونه فيها نظرة غريبة ومش مفهومة، هو نفسه الموظف الطيب اللي أنا عارفه كويس جداً وتعاملت معه سابقاً والمشهود له بـ "الأدب المفرط". الراجل اللي طول عمره "ماشي جنب الحيط"، الأب الوديع لطفلين صغيرين اللي ضحكته كانت بتملا الوش.. لقيته قدامي كائن تاني خالص! أول ما شافني، بدأ يصرخ في وشي بأبشع الألفاظ، نظرة عينه كان فيها عدوانية مرعبة، صرخ فيا وهو بيشاور بإيده المرتعشة: "أنت السبب.. أنت جاي تئذيني.. اطلع بره!".
والدته كانت واقفة في الركن، بتبكي بحرقة وتقول جملة أثرت فيا جداً: "والله ما هو ابني يا دكتور.. ده مش ابني اللي ربيته.. ده حد غريب سكن جواه!".
القرار الصعب واللغز المحير :
بعد فحص سريع للمريض، ماكانش ينفع نستنى، قلت للأهل بلهجة حاسمة: " لازم يعمل أشعة مقطعية على المخ فوراً، ومكانه دلوقتي هو المستشفى لازم حالاََ".
وبالفعل، اتحركنا للمستشفى، وعملنا الأشعة المقطعية على المخ .. وهنا كانت المفاجأة : "الأشعة سليمة تماماً!". مفيش جلطة، مفيش نزيف، مفيش ورم. الكل وقف قدام الحالة في حيرة، والأهل بدأوا يفقدوا الأمل ويقولوا: "ما دام الأشعة سليمة، يبقى ده سحر ولا عمل يا دكتور؟!".
الأشعة سليمة!.. الجملة دي في الطب أحياناً بتكون هي "بداية الحيرة" مش نهايتها. الأهل استسلموا لفكره (الأعمال والسحر)، لكن عيني كطبيب كانت شايفة "خريطة" تانية.
لحظة "التنوير" والبحث عن الحقيقة :
في اللحظة دي، قررت إني مش هقف عند "صورة" المخ، لازم أغوص في "كيمياء" الجسم. قعدت على كرسي بالقرب من سرير المريض، وبدأت أراقب المريض بدقة .. لاحظت إن شفايفه مشققة جداً وجلده فيه جفاف مريب، وفي نفس الوقت التمريض ركبله قسطرة بوليه وفوراََ كميات "غير منطقية" من البول بتنزل في كيس الجمع ... إزاي مع هذا الجفاف الظاهر على المريض بيجيب كل الكميات دي من البول ؟؟!
كان بيبلع ريقه بصعوبة كأن حلقه أرض ناشفة مشققة، ورغم كميات المية اللي بيشربها، جسمه كان بيسربها في البول في لحظات .. تحس ان ميزان المية في جسمه انكسر!
عقلي راح لمنطقة تانية خالص.. طلبت تحليل نسبة الصوديوم فوراً وتحليل أوسمولالية الدم والبول ... ولما طلعت النتيجة، كانت الصدمة: نسبة الصوديوم "ضاربة في السحاب" (Severe Hypernatremia) ... والبول كان مخفف جداً بشكل غير منطقي.
هنا فكيت اللغز.. الراجل ده مصاب بحالة طبية دقيقة اسمها "السكري الكاذب - Diabetes Insipidus". وده ملوش علاقة بالسكر اللي نعرفه، ده خلل في هرمون بيتحكم في ميزان المية في الجسم، خلى جسمه حرفياً "ينشف"، ودمه يبقى "مالح" لدرجة إن الملوحة دي "سحبت" المية من خلايا مخه وعملت له حالة الهذيان والعدوانية اللي عنده دي.
ببساطة في حالة السكري الكاذب (Diabetes Insipidus)، بيفقد الجسم السيطرة على "المحابس". هرمون الـ (ADH) المسؤول عن حبس الميه بيتعطل. النتيجة؟ الجسم بيفقد كل الميه في البول، وتركيز الصوديوم في الدم بيعلى جداً.
لما الصوديوم بيعلى، بيسحب الميه من جوه خلايا المخ لبره (Osmosis). خلايا المخ "بتنكمش" حرفياً، وده بيعمل خلل كيميائي وكهربائي بيحول الشخص الهادئ لكتلة من الهياج والهلوسة.
رحلة العودة من "صحراء التيه" :
بدأنا خطة العلاج .. بننزل نسبة الصوديوم ببطء شديد وبدقة متناهية على مدار أيام قليلة، لأن أي غلطة في السرعة ممكن تدمر المخ للأبد. كنت بمر عليه كل شوية، براجع المحاليل، وبراقب الوعي وهو بيرجع "نقطة بنقطة".
المشهد (بعد ٣ أيام) :
في اليوم التالت، دخلت غرفة المريض الصبح.. لقيت السرير هادي تماماً على عكس الأيام السابقة .. المريض كان قاعد، ملامحه اللي كانت الأيام الماضية"مشوهة" بالغضب رجعت هادية زي زمان. أول ما شافني، عينه دمعت.. مد لي إيده اللي كانت لسه بترتعش بقطعة "شوكولاتة" صغيرة كان شايلها ، وبصوت مكسور، خجول، يادوب مسموع قال لي: "سامحني يا دكتور.. أنا مش فاكر أنا قلت إيه، بس أهلي حكوا لي.. حقك عليا والله بجد".
في اللحظة دي، والدته سجدت في الأرض من الفرحة، وأنا حسيت برعشة في جسمي من المشهد .. قطعة الشوكولاتة دي كانت عندي أغلى من أي تكريم، كانت الإعلان الرسمي إن هذا "الإنسان" رجع لوعيه، وإن الروح اللي كانت مغتربة، لقت طريقها تاني.
الخلاصة:
العقل ده مش مجرد أشعة ورنين، العقل هو "ميزان" دقيق جداً.. "ذرات من الصوديوم" لو اختلت، ممكن تخلي أهدى الناس يتحول لوحش، وتخلي العاقل يهذي.
سبحان من جعل في أجسادنا آيات، وجعل العلم وسيلة عشان نرجَّع "الإنسان" لنفسه.
د/ أحمد عبد الجواد