25/05/2026
اليوم، وفي زيارتي لبابور الطحين في الكرك، لم أكن أبحث فقط عن طحين القمح الأصيل، ولا عن الجريش والمدقوقة التي تُطحن أمام العين كما كان يفعل الأجداد… بل كنت أبحث، دون أن أشعر، عن شيءٍ من الذاكرة.
جلست مع الحاج وأبنائه في دكان الطاحونة، وبين صوت الحجر ورائحة القمح، عاد الحديث بي إلى بصيرا… إلى جدي الحاج سالم بن عيد الرفوع، رحمه الله، صاحب بابور الطحين القديم الذي كان يومًا من أشهر بوابير بصيرا.
كان بابوره أكثر من مطحنة؛ كان مقصدًا للناس، وملتقى لأهل القرى، وحكايةً يومية تبدأ مع أكياس القمح وتنتهي برائحة الطحين الطازج. هناك كانت الوجوه تتلاقى، والأحاديث تُروى، والناس تنتظر دورها على صوت البابور الذي بقي طويلًا جزءًا من ذاكرة المكان.
ثم تمتد الحكاية إلى ابنه، جدي الحاج عودة، الذي كنت وما زلت أفتخر به؛ رجلًا حمل من الجنوب صلابته وكرامته، وكان رئيسًا للمطوعين في الجنوب، ومن الرجال الذين شاركوا في معركة باب الواد دفاعًا عن الأرض والكرامة.
كانوا رجالًا خرجوا بإيمانهم وبساطتهم، لا يبحثون عن شهرة ولا تاريخ يُكتب، لكن التاريخ بقي يذكر أثرهم في القلوب قبل الكتب.
واليوم، وأنا أرى القمح يُطحن بالطريقة نفسها التي عرفها الأجداد، شعرت أنني لا أزور بابورًا فقط… بل أقترب من سيرة رجالٍ صنعوا الحياة بعرقهم، وحفظوا الكرامة بمواقفهم، وبقيت أسماؤهم حيّة في الذاكرة؛
من بابور الحاج سالم في بصيرا… إلى مواقف الحاج عودة في باب الواد… حكايةُ رجالٍ يشبهون الوطن
الصور بابور الطحن القديم .الكرك