07/12/2025
هناك مراحل في الحياة لا تُفهم بالعقل، ولا تُحتمل بالقوة، ولا تُفسَّر بأي منطق. مراحل يشعر فيها الإنسان أنه يعيش في مكان لا يشبهه، وأن روحه أصبحت أوسع من الجدران التي تحيط بها، وأن ما كان يومًا مريحًا… صار اليوم ضيقًا، خانقًا، لا يتّسع لك كما كنت تتّسع له.
وفي تلك اللحظات، يتوهّم البعض أنهم يتعذبون لأنهم ضعفاء، بينما الحقيقة أن ما يؤلمك الآن هو أنك قوي… قوي لدرجة أن المرحلة التي أنت فيها لم تعد قادرة على احتوائك. تمامًا كما تضيق الشرنقة على الفراشة عندما يحين موعد خروجها… ليس لأن الشرنقة سيئة، بل لأنها لم تعد مناسبة.
أحيانًا تعتقد أن الإلهام هرب منك، وأن قلبك صار باهتًا، وأن نورك خفت. لكن ما لا تعلمه أن الإلهام لم يغادر، بل اختبأ… ينتظر أرضًا أعمق، مرحلة أنضج، مكانًا يستحق ظهوره. الله لا يطفئ نورًا وضعه فيك، لكنه يحفظه من أن يُهدر في أرض ليست لك.
وما أصعب أن تعيش بين مرحلتين… لا تنتمي إلى القديمة بعد الآن، ولا وصلت للجديدة تمامًا. تشبه المساء، لست نهارًا ولا ليلًا. تشبه العابر فوق جسر طويل، يرى الضفة الأخرى من بعيد، لكن قدميه ما زالتا على الخشب المهتزّ. وهذا الارتباك ليس علامة أنك تائه، بل علامة أنك تعبر.
ولا تبحث عن معنى ما يحدث الآن… فالمعاني الكبيرة لا تكشف أسرارها في منتصف الألم. الأيام بين يديك ليست عبثًا، والأقدار لا ترتّب المصادفات هكذا. كل شيء يحدث بدقة الغيب، وأنت لست وحدك. هناك حكمة فوق رأسك، وقلبك ليس معلقًا في الهواء، بل في يد رب كريم يعرف أين يأخذك ولماذا.
وعندما تضيق الحياة عليك، لا تضيق لأنها تضطهدك… بل تضيق لأنها تخبرك أن حجمك تغيّر. الروح التي كبرت لا تستقر في أماكن قديمة. والإنسان الذي نضج لا يرتاح في حياة صغيرة. وكل مرة تشعر فيها بالاختناق، فاعلم أن روحك تستعد للاتساع، حتى لو لم ترَ ذلك الآن.
خذ أنفاسك ببطء… لا تُسرع. لا تُطالب نفسك بأن تكون بخير قبل أوانك. أنت الآن في مرحلة ولادة… ومن الطبيعي أن تكون الفوضى جزءًا من الصورة. ما دام قلبك ما زال يسأل: “إلى أين؟ ولماذا؟ وكيف؟”… فاعلم أن بوصلة روحك لم تمت، بل تعمل.
ولا تخف من فقدان ما لم يعد يليق بك. أحيانًا لا ينزع الله الأشياء من حياتك، بل ينزع تعلّقك بها… حتى لا تبقى في مكان لم يَعُد لك. وهذه رحمة لا يفهمها إلا من مرّ بها، رحمة تُلبس شكل الحيرة، أو الضيق، أو البرود المفاجئ تجاه ما كنت تحبه.
وحتى عندما تظن أنك تائه، فأنت في الحقيقة على الطريق. لأن الضياع الحقيقي أن تتجمد في مكان واحد ولا تشعر بشيء. أما أنت… فأنت تتألم، وتفتّش، وتتحرك، وتتساءل… وهذا وحده علامة حياة. علامة أن روحك بدأت تشرق من جديد.
ثق أن القادم أجمل، ليس لأنك تتفاءل… بل لأن الله لا يهيّئك بكل هذا العمق دون أن يكون هناك شيء يستحق في النهاية. أنت لا تُسحب من حياة… بل تُقاد إلى حياة أخرى. ولا تُنتزع من مرحلة… بل تُرفع إلى مرحلة أعلى. والألم الآن ليس سقوطًا… بل صعودًا مؤلمًا.
أنت لست وحيدًا في هذا العبور. أنت ممسوك من يد لا تخون، ومحمول بقوة لا تُرى. وما دام الله معك… فالحيرة طريق، والضيق جسر، والدمعة مطر، والغد مهما تأخر… قادم.
#العبور
#تجلي