04/01/2026
الخوف الجمعي Collective Fear
بقلم ردينة المهتار
الخوف الجمعي هو حالة نفسيّة اجتماعيّة تنتشر داخل جماعة أو مؤسّسة، فيتصرّف الأفراد فيها بدافع الخوف من السلطة أو العقاب أو العزل، لا بدافع القناعة أو الضمير. الخوف الجمعي، إذاً، ليس حالة نفسيّة فرديّة معزولة، بل هو شكل من أشكال الخضوع الصامت الذي ينشأ عن خوف مشترك يتقاسمه الأفراد داخل الجماعة أو المؤسسة.
في ظل هذا الخوف، تُعاد صياغة الأولويات: تصبح السلامة الشخصية مقدَّمة على الحق، ويغدو السكوت خياراً «عقلانياً» في مقابل مواجهة يُفترض أنها مخاطرة غير محسوبة. لا حاجة هنا إلى أوامر مباشرة أو تهديدات صريحة، لأن النظام يعمل بطريقة أدقّ: الجميع يفهم، من دون أن يُقال له، ما هو المسموح وما هو الممنوع، وما الذي ينبغي تجنّبه إذا أراد البقاء داخل المنظومة بأقل كلفة ممكنة.
كيف يظهر الخوف الجمعي؟
لا يتجلّى الخوف الجمعي في فعل واحد واضح، بل يظهر عبر ممارسات يومية تبدو للوهلة الأولى عادية أو مبرَّرة، لكنها في مجموعها تُنتج ثقافة متكاملة من الصمت والانصياع.
• فالصمت الجماعي لا يعني الجهل بما يحدث، بل العكس تماماً: الجميع يرى الخطأ، يدركه، ويتداوله همساً وفي الكواليس، غير أن هذا الإدراك المشترك لا يُترجم إلى موقف علني. المعرفة موجودة، لكن الإرادة مشلولة.
• ومع الوقت، يحلّ التبرير محلّ الاعتراض. فبدل تسمية الظلم باسمه، تُستَخدم عبارات تُخفّف من وطأته وتُهدّئ الضمير: «الظرف صعب»، «ليس الوقت مناسباً»، «هكذا هو النظام». هذه اللغة لا تنفي الخطأ، لكنها تؤجّله إلى أجل غير مسمّى، وتحوّل الاستسلام إلى موقف يبدو عقلانياً أو واقعياً.
• وفي موازاة ذلك، يظهر ما يمكن تسميته بالانسحاب الأخلاقي Moral Disengagement. هنا لا ينكر الفرد وجود الخطأ، بل يُقنع نفسه بأنه غير معني به، ليس لغياب القناعة، بل لتفادي ثمن الموقف. يتحوّل الانكفاء إلى آلية دفاع، ويُعاد تعريف «الحياد» بوصفه فضيلة، لا هروباً.
• غير أن أخطر تجليّات الخوف الجمعي يتمثّل في كيفية التعامل مع مَن يخرج عن هذا الصمت. فوجود شخص شجاع يفضح خوف الباقين، فيتحوّل تلقائياً إلى تهديد نفسي لهم.
• وفي هذا المناخ، تتكرّس ازدواجية فاضحة بين العلن والخفاء. يظهر الدعم لمَن يكسر الصمت في الرسائل الخاصة، والاتصالات السرّية، وعبارات التعاطف الجانبيّة، فيما يسود الصمت أو الإنكار في الفضاء العام. يُقال الكثير في الظل، ولا يُقال شيء في الضوء.
لماذا يُعَدّ الخوف الجمعي خطيراً؟
تكمن خطورة الخوف الجمعي في آثاره التراكمية، لا في مظاهره المباشرة فقط. فهو:
• يشلّ الضمير الجماعي ويُفرغه تدريجياً من قدرته على الاعتراض.
• يُحيل المؤسسات إلى أجسام تعمل بلا روح، تؤدّي وظائفها آلياً من دون معنى أو بوصلة أخلاقية.
• مع الزمن، يجعل الظلم يبدو مألوفاً، بل «طبيعياً»، ويُكافأ الانصياع بدل الشجاعة، والامتثال بدل النزاهة، إلى أن يفقد الاعتراض نفسه مشروعيته.
كيف يمكن كسر الخوف الجمعي؟
مواجهة الخوف الجمعي لا تتمّ بخطوة واحدة أو بفعل بطولي معزول، بل عبر مستويات متداخلة: نفسية، جماعية، ومؤسسية.
أولاً: الحلول على المستوى الفردي
تبدأ أي مواجهة حقيقية من الداخل، من وعي الفرد بما يشعر به وكيفية التعامل معه.
1. تسمية الخوف والاعتراف به بدل إنكاره: فالخوف يَضعُف حين يُسمّى بوضوح.. "أخشى العزل، العقاب، أو الخسارة.. أخشى خسارة الموقع وربما الامتيازات". الاعتراف هنا ليس ضعفاً، بل خطوة أولى في استعادة القدرة على الفعل والحدّ من سلطة الخوف. أما الإنكار فلا يلغي الخوف بل يرسّخه ويحوّله إلى طاقة صامتة تُدار من الخارج وتعيد إنتاجه.
2. التمييز بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيَّل: فالتجربة تُظهر أن ما يقارب 70% من المخاوف يُبنى على إشاعات، أو على "ما قد يحدث"، لا على "ما حدث فعلاً". هذا الخلط بين الممكن والواقع هو أحد أقوى مصادر الشلل النفسي.
3. استعادة الإحساس بالسيطرة: إذ أن الخوف يتغذّى من الشعور بالعجز. وكل فعل يعيد للفرد إحساس السيطرة، مهما بدا بسيطاً، يساهم في تقليص هذا الخوف: الكتابة، التوثيق، معرفة الحقوق، التفكير بخيارات بديلة، ووضع خطط بديلة... كلّها أدوات تعيد للفرد شعور السيطرة. فمجرّد وجود "خطة بديلة" يقلّل الخوف نفسيّاً بنسبة كبيرة، وإن لم يتمّ استخدامها فعليّاً؛ فوجودها يخفّف ثقل التهديد ويكسر احتكار الخوف للخيال.
ثانياً: الحلول الجماعية (وهي الأهم)
1. كسر العزلة: إنّ الخوف الجمعي لا يعيش إلا في العزلة، ولا يتراجع فعلياً إلا عندما تُكسَر هذه العزلة. فالخوف يقوم على فكرة «أنا وحدي». وكسر العزلة يكون عبر كل ما يضعفها: تمتين العلاقات بين مجموعات صغيرة، تبادل الأحاديث الثنائية، والتضامن الصامت بنظرة أو بموقف أو بامتناع مشترك… كلّها أشكال تضامن غير معلن، لكنها كافية لإعادة بناء الثقة بين الأفراد، من دون الحاجة إلى مواجهة مفتوحة.
2. القدوة الصامتة: أقوى علاج للخوف الجمعي هو شخصاً واحداً يواجِه ولا يُدَمَّر. هذا المشهد وحده يربك المنظومة، يطمئن الآخرين، ويفتح "نافذة أمل".
3. تحويل الخوف إلى غضبٍ واعٍ: يشكِّل التحوّل من الخوف إلى الغضب الواعي لحظة مفصلية. فالخوف يشلّ، أما الغضب الواعي فيحرِّك؛ فهو ليس انفجاراً انفعالياً، بل موقفاً أخلاقيّاً واضحاً: "هذا غير عادل"، "هذا غير مقبول"، و"هذا لا يشبهني"... كثير من التحوّلات العميقة لا تبدأ بالشجاعة، بل عندما يتحوّل الخوف إلى اشمئزازٍ أخلاقيّ يجعل الاستمرار في الصمت غير محتمل.
ثالثاً: الحلول المؤسسّية طويلة الأمد
لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم عبء كسر الخوف، لأن الخوف ليس فقط نتاجاً نفسياً، بل نتيجة مباشرة لبنى مؤسّسية تنتجه وتُعيد إنتاجه. وبالتالي، يقع على المؤسّسات نفسها مسؤوليّة تغيير بنيتها وتأمين ما يلي:
1. الشفافية: فكلما غابت الشفافية، وافتُقدت القواعد الواضحة، وضعفت آليات المساءلة، ازدهر الخوف الجمعي تلقائياً، والعكس صحيح.
2. حماية مَن يتكلّم عن الخلل أو المخالفات: فالمؤسسة التي لا تحمي مَن يتكلّم، تزرع الخوف، وتُنتج النفاق، ثمّ تنهار من الداخل. فالسكوت هنا لا يكون استقراراً في المؤسّسة، بل تأجيلاً للأزمة.
3. كسر المحرّماتTaboo : يرتبط الخوف الجمعي غالباً بمحظورات غير مكتوبة، بمواضيع يُقال عنها: «هذا الموضوع ممنوع». غير أنّ تجربة المؤسسات تُظهر أن مجرّد كسر هذا الصمت، ولو مرة واحدة، كفيل بإسقاط المحرّم إلى الأبد. فالخوف يعيش في الظل، ويفقد جزءاً كبيراً من قوّته لحظة خروجه إلى العلن.
ختاماً، يُواجَه الخوف الجمعي داخل المؤسسات عبر إعادة الثقة بين مَن يعرفون أن الخلل قائم. وكسر الخوف الجمعي يبدأ بخطوات داخليّة غير مرئيّة: رفض الكذب على الذات، عدم المشاركة في الظلم، وعدم تحويل الصمت إلى قناعة. فحين يُكسر الصمت الداخلي، وحين يتحوّل الخوف من تجربة فردية معزولة إلى وعي جماعي مشترك، تستعيد الجماعة قدرتها على التفكير المشترك، وعلى تسمية ما يحدث ورفض التطبيع معه. فكلّ فعل صغير يخرج عن منطق الإنكار يراكم أثراً، والتغيير هنا ليس لحظة، بل مسار، وأول شروطه ألّا يبقى كلّ واحد وحده.