12/03/2026
https://www.facebook.com/share/p/1AtDzKLc4Z/
بين جوهر الاهلية وسطوة القانون
تتجاوز قضية الأهلية في ممارسة المهن النفسية حدود النصوص القانونية الجامدة لتلامس جوهر المنطق الأكاديمي والعدالة المعرفية، خاصة حينما يتعلق الأمر بقامة علمية شامخة في صورة أستاذ جامعي مؤهل. إن وضع أستاذ قضى عقوداً في تشكيل الوعي الإكلينيكي للأجيال تحت مقصلة "عدم الأهلية" يمثل مفارقة سيكولوجية وأخلاقية صارخة؛ فكيف يستقيم عقلاً أن يكون "صانع المختصين" ومن يمنحهم صك المرور إلى الميدان غير مؤهل لممارسة ما يدرّسه؟ إن هذه الوضعية تضرب في عمق "الهوية المهنية" للأستاذ الذي يمثل سيكولوجياً "النموذج الأعلى" لطلابه، حيث لا تقتصر وظيفته على نقل المعلومات الصماء، بل تمتد لتشمل الإشراف الإكلينيكي المعمق وصقل المهارات التشخيصية والعلاجية، وهي أرقى مستويات الممارسة المهنية وأكثرها تعقيداً.
إن اتهام الأستاذ الجامعي بعدم الأهلية بناءً على اعتبارات ضيقة هو تغليب فج للشكليات على الكفاءة الجوهرية التي تراكمت عبر البحث العلمي والممارسة الميدانية داخل المختبرات والجامعات. فمن يمتلك "فوق الكفاءة" التي تؤهله لتقييم أطروحات الدكتوراه في علم النفس المرضي والإكلينيكي والمعرفي، يمتلك بالضرورة الشرعية الأخلاقية والعلمية لممارسة التخصص في أدق تفاصيله. إن الفصل التعسفي بين "النظرية" و"الممارسة" في العلوم النفسية هو فصل وهمي؛ فالنظرية في علم النفس لا تولد إلا من رحم الملاحظة الإكلينيكية، والممارسة لا تستقيم دون سند معرفي رصين يحرسه الأكاديمي المتمرس.
وتبرز الحاجة الملحة لحضور هؤلاء الخبراء في الميدان بشكل أقوى في ظل الواقع الراهن الذي نعيشه؛ حيث بات العالم يرزح تحت وطأة "عصر الصدمات الكبرى". فمن تداعيات جائحة كوفيد-19 التي خلفت عزلة نفسية واضطرابات قلق جماعية، إلى الكوارث الطبيعية المدمرة من فيضانات وزلازل هزت الاستقرار الوجودي للإنسان المعاصر، أصبح التدخل السيكولوجي ضرورة قصوى للأمن النفسي. في مثل هذه الأزمات، لا نحتاج فقط إلى "ممارسين" بل إلى "مرجعيات" قادرة على فهم ديناميات الصدمة، وتحليل اللاشعور الجمعي المتألم، ووضع بروتوكولات علاجية تتناسب مع حدة هذه الفواجع.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز الحاجة الملحة إلى تظافر جهود جميع الفاعلين في الحقل السيكولوجي والأكاديمي، من أساتذة باحثين وممارسين وهيئات مهنية، من أجل الدفع نحو تقنين مهنة الأخصائي النفسي ووضع إطار قانوني شامل وواضح المعالم. إن هذا الإطار القانوني لا يجب أن يكون وسيلة للإقصاء أو تصفية الحسابات الإدارية، بل يجب أن يكون آلية للاعتراف بالتراتبية العلمية وحفظ الحقوق، بما يضمن تكامل الأدوار بين التكوين الجامعي الرصين والممارسة الميدانية المقننة.
إن غياب هذا الإطار هو ما يفتح الباب أمام مثل هذه التأويلات المتناقضة التي تمس كرامة الرموز العلمية وتعرقل مسار الحماية النفسية للمواطن. ولذلك، فإن حماية الأستاذ الجامعي وحقه في الممارسة هي في جوهرها حماية لهيبة العلم واعتراف بأن المرجعية الأكاديمية هي الضامن الأول لجودة الخدمات النفسية المقدمة للمجتمع. إن اليد التي تخرج على يدها مئات الأخصائيين، والتي أرست قواعد العلم في المختبرات والمدرجات، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُنكر أهليتها في الميدان الذي شيدت جدرانه بمداد العلم وعرق الممارسة.
اشرف فتح الله
اخصائي نفسي اكلينيكي