28/11/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
الخطة الأميركية لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا
بحسب تسريبات إعلامية قدم الرئيس الأميركي خطة وصفت بالسرية لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والملاحظ في هذه الخطة أن أوكرانيا ومن خلفها أوروبا كلها لم تشارك في صياغتها، بل لم تؤخذ مخاوفها ومصالحها بعين الاعتبار، بل هي أشبه بخطة استسلام، بصيغة دبلوماسية. بينما كانت مطالب روسيا حاضرة في هذه الخطة التي صيغت بعد مشاورات مباشرة بين البيت الأبيض والكرملين عبر المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ومبعوث بوتين كيريل ديمترييف.
وكانت أميركا قد استبقت خطتها هذه بالترويج لفكرة أن أوكرانيا لن تنتصر في الحرب، حيث قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن "الاعتقاد بأن أوكرانيا يمكن أن تنتصر إذا قدمت لها الولايات المتحدة المزيد من الأموال أو الأسلحة، أو فرضت المزيد من العقوبات على روسيا هو خيال". كما أكد الأميركيون أيضًا على أن هذه الخطة من شأنها ضمان عدم اندلاع الحرب من جديد، وأنها يجب أن تكون مقبولة من الطرفين، وأنها تهدف إلى إيقاف القتال للحفاظ على سيادة أوكرانيا. كما مهدت لهذه الخطة بالتهديد بفرض مزيد من العقوبات، وبمزيد من التهديد العسكري، حيث دفعت بغواصتين نوويتين من طراز (أوهايو) بالقرب من روسيا ردًا على تصريحات ميدفيديف التي قال فيها إن "روسيا ليست إسرائيل أو حتى إيران"، وإن على ترمب أن يتذكر مدى خطورة اليد الميتة الأسطورية. في إشارة إلى النظام الآلي الذي يطلق الصواريخ دون تدخل بشري.
أما الخطة الأميركية للسلام في أوكرانيا، فإنها تتكون من 28 بندًا قبل أن يجري تقليصها بحذف بعض بنودها. ومن أبرز بنودها اعتراف دولي يشمل الولايات المتحدة بسيطرة روسيا بحكم الأمر الواقع على إقليم دونباس، والذي يضم كلًا من لوغانسك ودونيتسك، بما فيها المناطق التي تواصل أوكرانيا السيطرة عليها رغم الحرب الدائرة.
ومن بنودها أيضا اقتراحها إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في جزء من دونيتسك، وهو الجزء الذي يشكل خطوط التماس بين الطرفين الروسي والأوكراني، وأنه يعطي خطة وقف الحرب طابعًا أكثر ثباتًا، ويجنب البلدين احتمالات تجدد المواجهات الواسعة في تلك المنطقة الحيوية.
كما تؤكد الخطة على سيطرة موسكو على شبه جزيرة القرم، معتبرة الأمر واقعًا ثابتًا، مع ضمان حرية استخدام أوكرانيا نهر دنيبر في النقل التجاري، وتسهيل مرور الحبوب عبر البحر الأسود دون عوائق.
ومن النقاط المهمة أيضًا في الخطة الأميركية تحديد حجم الجيش الأوكراني بأن لا يزيد عن 600 ألف جندي، مع إدراج بند في الدستور الأوكراني يمنع انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وإدخال تعديل في النظام الأساسي للناتو يمنع ضم أوكرانيا مستقبلًا، مع عدم الممانعة من انضمامها للاتحاد الأوروبي.
أما الضمانات التي تقدمها الخطة، فإن أميركا تمنح أوكرانيا تعهدًا أمنيًّا دفاعيًّا عنها، يصل إلى درجة الرد العسكري المنسَّق، بالإضافة لإعادة فرض عقوبات كاملة على موسكو إذا شنت هجومًا جديدًا على أوكرانيا.
وتطالب الخطة أيضًا بأن تعتمد روسيا قانونًا داخليًّا ينص على عدم الاعتداء على أوروبا وأوكرانيا، بهدف ترسيخ الإطار القانوني للالتزام السياسي الذي تروج له الإدارة الأميركية عبر الخطة.
وتظهر هذه البنود أن الخطة تميل بوضوح إلى ترسيم نتائج الميدان العسكري، وتقنينها سياسيًّا، ما يجعل القبول بها من قبل أوكرانيا وأوروبا انتحارًا سياسيًّا.
ولا يخفى على أحد أن أميركا تجاوزت مصالح أوكرانيا، وكذلك أوروبا في سبيل تحقيق أهدافها من إشعال فتيل الحرب بين روسيا وأوكرانيا ودعم الأخيرة. وعلى رأس هذه الأهداف إبعاد روسيا عن الصين، وإعادة توجيه بوصلتها الاقتصادية إلى أوروبا، وبخاصة بعد رفع العقوبات، وفتح أسواق الطاقة أمام النفط والغاز الروسيين، وهو مطلب لطالما صدح به عملاء أميركا في أوروبا وعلى رأسهم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. بل إن ترمب كافأ أوربان بإعفاء بلاده لمدة عام من القيود الأميركية على شراء النفط والغاز من روسيا.
من جهتها لم ترحب أوروبا (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) بخطة ترمب، بل استقبلتها بحذر، وقامت بإعداد مقترح مضاد لها. حيث حذف المقترح أي إشارة إلى التنازلات الإقليمية، إذ جرى حذف جميع الاعترافات بالسيطرة الروسية، والمطالبة بوقف إطلاق النار قبل تحديد تبادل الأراضي، وأن يكون خط المواجهة الحالي أساسًا لأي مناقشات مستقبلية. كما ألغى الأوروبيون مهلة المئة يوم لإجراء انتخابات في أوكرانيا، مؤكدين بدلًا من ذلك أنها ستُجرى في أقرب وقت ممكن بعد توقيع اتفاق السلام. كما حذفوا جميع الإشارات إلى هياكل الاستثمار الأميركية الروسية، وتوجهوا نحو نهج تدفع فيه روسيا تعويضات لأوكرانيا.
كما نصّ المقترح على أن حجم الجيش الأوكراني سيُحدد "بحد أقصى 800 ألف جندي في زمن السلم"، وهو عدد الأفراد العسكريين الحاليين، مقارنةً بالحد الأقصى البالغ 600 ألف المنصوص عليه في الخطة الأميركية.
وفي محاولة لتعطيل الخطة، ووضع العراقيل أمامها، أو على الأقل تحسين شروط التفاوض، دأبت الدول الأوروبية على اتهام روسيا بنشر جواسيسها في دولها، واختراق طائراتها لأجوائها، وأن روسيا تستعد لهجوم قريب. ونقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين ألمان: نتوقع أن تكون روسيا مستعدة وراغبة في مهاجمة حلف الناتو عام 2029. كما نُقل عن رئيس المخابرات الألمانية قوله: إن بوتين لا يسعى إلى توسيع نفوذ روسيا في أوروبا فحسب، بل يسعى أيضًا إلى إزاحة الوجود العسكري الأميركي من القارة، وإن الأوروبيين في مواجهة مباشرة مع روسيا، وهدف بوتين ليس السيطرة على أوكرانيا فحسب، بل يسعى في الواقع إلى إنشاء نظام عالمي جديد. كما أشار إلى أن بوتن في حدود سنة 2030 سيكون قادرًا على مهاجمة دول الناتو.
وعلى الرغم من المعارضة الأوروبية لخطة ترمب، إلا أن أوروبا لا تقوى على تمويل أوكرانيا عسكريًّا بشكل مستمر، ومن دون مظلة الحماية الأميركية لا تقوى على مواجهة روسيا عسكريًّا، وأقصى ما تطمح إليه من خلال مقترحها المضاد هو تحسين شروط التفاوض الأوكراني مع روسيا.
أما أميركا فإنها وكما أسلفنا تسعى وبشكل استراتيجي إلى إبعاد روسيا عن الصين، وفتح شهيتها على الأسواق الأوروبية، والتي كانت ولا تزال كثير من دولها تتطلع إلى النفط والغاز الروسيين اللذيْن تحصل عليهما بأسعار مشجعة، بعيدًا عن التعقيدات التي فرضتها العقوبات الأميركية على روسيا.
ولكن هل ستنجح أميركا في إبعاد روسيا عن الصين؟
وللجواب على ذلك لا بد من التذكير بعمق العلاقة بين الصين وروسيا، والتنسيق الدائم في المواقف، وأن هذا التقارب بينهما ليس علاقة عابرة، ولا علاقة مصلحية، بل هو علاقة استراتيجية، لها أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية. فالصين رغم اتخاذها موقفًا حذرًا من الحرب في أوكرانيا، إلا أنها على الرغم من ذلك ساعدت روسيا على تجاوز العقوبات، ولم تتجاوب مع المساعي الأميركية لتركيع موسكو اقتصاديًّا. وحينما أغلق الاتحاد الأوروبي تدريجيًّا أسواقه أمام النفط الروسي، تقدمت الصين لملء الفراغ، مستفيدةً من التخفيضات الكبيرة التي قدمتها موسكو، وصارت أكبر مشترٍ للنفط الروسي. وفي الأشهر الستة الأولى فقط من الحرب، زادت الصين وارداتها من النفط الروسي بنسبة 55% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما دعمت الصين روسيا بصورة فعالة في المجال المالي والنقدي. وعندما بدأت العقوبات الغربية تؤثر على قدرة موسكو على استخدام الدولار واليورو في التجارة الدولية، توسعت بكين في استخدام اليوان الصيني في معاملاتها التجارية مع موسكو. وقد ذكر السفير الروسي في الصين، إيغور مورغولوف، إن حجم التجارة بين روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية، ارتفع بنسبة 67%، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وإن حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين، تجاوز 240 مليار دولار أميركي لعامين متتاليين. علاوة على التعاون الاستراتيجي في مجالات عديدة، منها الدفاع والأمن والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد والتجارة والتنسيق الدولي. ولذلك فقد تنجح أميركا في إيقاف الحرب، ولكنها لن تنجح في إبعاد روسيا عن الصين بشكل كامل، فليس الجانب الاقتصادي وحده الذي جذب الطرفين، بل هناك مصالح مشتركة تتجاوز الجانب الاقتصادي، كمقاومة النفوذ الغربي، والسعي لإيجاد التوازن في الموقف الدولي، وإنهاء القطبية الأميركية، إضافة إلى التعاون في الجانب الأمني والدفاعي.
6/جمادى الآخرة/1447هـ
27/11/2025م