
28/07/2025
🎧💔 مخلفات مهنية صامتة: التعب العاطفي لدى الأرطوفوني من زاوية لم تُرى من قبل
في يوم هادئ، تكتب أرطوفونية شابة في دفترها بعد نهاية حصصها:
"أنا لا أبكي لأني ضعيفة… بل لأنني أحتفظ بكل صرخة لم يستطع الطفل التعبير عنها."
قد تبدو الجلسات الأرطوفونية من الخارج تقنية: تدريبات نطق، تأهيل لغوي، دعم تواصلي.
لكن، في العمق؟
هي تجربة وجدانية مكثفة، يعيش فيها المختص بين الحروف والدموع، بين التقدم البطيء وقلق الأهل، بين الإنجاز وخيبات الأمل.
💡 ما هو "التعب العاطفي" عند الأخصائيين؟
تعرّفه الدراسات النفسية بأنه حالة إنهاك وجداني متراكم، يشعر بها الأخصائي بعد فترة من الانخراط العميق في مرافقة الآخرين، دون التوازن الكافي بين "العطاء" و"إعادة الشحن الذاتي".
في دراسة أجريت على مختصين أرطوفونيين يعملون في المستشفيات ومراكز ذوي الاحتياجات الخاصة، أبلغ أكثر من 60% منهم عن أعراض تعب عاطفي متكرر، خاصة بعد السنوات الثلاث الأولى من الممارسة المكثفة.
🎙️ أصوات من الميدان:
مريم، 32 سنة، أرطوفونية بالقطاع الخاص
"أحيانًا أخرج من الجلسة وأشعر أنني حملت عمر الطفل فوق ظهري… أحمل أسئلة الأم، وألم الأب، وصمت الطفل، وأعود إلى بيتي كأني لم أعد أنا."
أمين، يعمل مع حالات التوحد المتقدم
"أكثر ما يتعبني ليس الحالة نفسها، بل نظرة المجتمع، ضغط الأولياء، والخوف الدائم من أن لا أكون "كافيًا"."
نادية، مختصة نطق في الريف
"في قريتنا، لا أحد يفهم ما أفعله. أعمل وحدي، دون إشراف، دون دعم نفسي أو زملاء. أنام وفي صدري مئة صوت لم يُسمَع بعد."
⚠️ من أين يأتي هذا النوع من الإرهاق؟
طبيعة الحالات: بعضها طويل الأمد، لا يُظهر تقدّمًا سريعًا.
الإنصات الوجداني العميق: كل مختص يصغي ليس فقط لما يُقال، بل لما لا يُقال… وهذا مرهق نفسيًا.
ضغط التقييم الدائم: “هل أنا فعّال؟ هل تطورت الحالة؟ هل الأهل راضون؟”
العزلة المهنية: خاصة في المدن الصغيرة أو المراكز غير المتخصصة.
🧭 كيف يمكن للمختص حماية نفسه دون فقدان إنسانيته؟
1. المسافة العاطفية المهنية
لا يعني ذلك أن نكون باردين، بل أن نرسم حدًا صحيًا بين "المرافقة" و"الذوبان".
2. مجموعات الدعم بين المختصين
مشاركة ما نمر به، دون أحكام، تخفف الثقل وتجعلنا نشعر أننا لسنا وحدنا.
3. الإشراف المهني النفسي (Supervision)
تقنيات مستعملة كثيرًا في أوروبا، تسمح للأخصائي بالحديث عن مشاعره، استنزافاته، وطلب توجيه دون خجل.
4. الاعتراف بالتعب دون جلد الذات
نحن لسنا آلات علاج… نحن بشر نرافق بشراً.
5. الكتابة التعبيرية
طريقة فعالة مدروسة، يُنصح بها المختصون لتفريغ المشاعر المكتومة يوميًا.
✨ التعب العاطفي لدى الأرطوفوني ليس ضعفًا مهنيًا، بل علامة على أنه منح من نفسه الكثير.
لكن على هذا العطاء أن يُعاد شحنه، حتى لا يتحول المختص من معالج للأصوات إلى ضحية للصمت الداخلي.
وكل مختص عليه أن يطرح هذا السؤال المهني–الإنساني:
هل أملك لنفسي ما أقدمه للآخرين؟
وهل أعتني بصوتي الداخلي، كما أعتني بأصوات مرضاي؟