12/05/2026
....????....
بقلم الدكتور بونقطة عبد الرحيم .
يتزايد الجدل حول تواجد الأطباء الجزائريين على منصات التواصل الاجتماعي. ويقترح البعض منع الأطباء تمامًا من التحدث عن الصحة على الإنترنت، أو الظهور في مقاطع فيديو، أو التواصل مع الجمهور العريض عبر المنصات الرقمية.
بصفتي طبيبًا مختصًا في أمراض الغدد الصماء والسكري وصانع محتوى طبي يتابعه أكثر من مليون مشترك، أود أن أقدم رؤية صادقة، متوازنة وواقعية حول هذه المسألة.
شخصيًا، يمكنني قبول مثل هذا المنع... ولكن بشرط منطقي وعادل: أن يُطبق على الجميع دون استثناء.
وهذا يعني:
* منع أي شخص غير طبيب من التحدث عن الصحة، التغذية، السكري، العلاجات، أو تقديم نصائح طبية للمجتمع الجزائري.
* منع الوصول إلى الفيديوهات الطبية الأجنبية وصناع المحتوى الصحي الدوليين الذين يغمرون وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا.
* مراقبة جميع مصادر المعلومات الصحية المتاحة للجمهور.
ومع ذلك، نعلم جميعًا أن هذا مستحيل في عالمنا اليوم.
لقد أصبح الإنترنت فضاءً مفتوحًا، عالميًا ولا يمكن السيطرة عليه. المواطنون يبحثون عن أجوبة وتفسيرات ونصائح، وحين توجد حاجة للمعلومة، سيتم سد هذا الفراغ دائمًا، إما من قبل مهنيين كفؤين... أو من قبل أشخاص غير مؤهلين.
وعلينا أن نكون واقعيين: إذا كانت المحتويات الطبية تحقق اليوم مئات الملايين من المشاهدات عبر العالم، فذلك ليس من قبيل الصدفة. بل هو يعكس حاجة هائلة للمعلومة، وللشرح والتبسيط الطبي لدى السكان. الناس يريدون فهم أمراضهم، علاجاتهم، نظامهم الغذائي، تحاليلهم وصحتهم في حياتهم اليومية. هذه الحاجة حقيقية، ضخمة وعالمية.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
الحل لا يمكن أن يكون مجرد "المنع والإغلاق". بل على العكس، فهذا التوجه يخاطر بترك الساحة فارغة أمام الخبراء المزيفين، وبائعي الأوهام، والعلوم الزائفة، والمحتويات الخطيرة.
إن الأشخاص الذين يدعون ببساطة إلى المنع التام غالبًا ما يبحثون عن حل سهل لمشكلة معقدة. لكن الحل السهل ليس بالضرورة حلًا فعالًا. فمنع الأطباء الأكفاء من التواصل لن يلغي الطلب على المعلومة، بل سيفتح الباب على مصراعيه للأشخاص غير المؤهلين.
يجب علينا أيضًا أن نعترف، مع كل الاحترام الواجب لأساتذتنا ، بأن أغلبية الذين يطالبون اليوم بالمنع التام للأطباء على مواقع التواصل الاجتماعي ينتمون غالبًا لجيل لم يترعرع على الأدوات الرقمية، ويبقى أحيانًا بعيدًا عن الواقع الجديد للتواصل في المجتمع الحديث. لقد تغير العالم، وتغيرت عادات المرضى، وطريقة الوصول إلى المعلومة الطبية تطورت بشكل عميق.
المشكلة ليست في أن الأطباء يتحدثون.
المشكلة هي: كيف يتحدثون، في أي إطار، وبأي أخلاقيات ومسؤولية. نحن بحاجة اليوم إلى:
1 تأطير قانوني واضح.
2 قوانين حديثة تتماشى مع العصر الرقمي.
3 قواعد أخلاقية دقيقة للمهنة.
4 التمييز بين المعلومة الطبية والإشهار التعسفي.
5 وقبل كل شيء، وضع المسؤولية على عاتق صناع المحتوى الطبي.
يجب أن يكون الطبيب قادرًا على:
التعليم والتثقيف الصحي ، التحسيس والتوعية ، الوقاية ، تصحيح المعلومات الخاطئة وتقريب العلم من المواطن.
في بلد لا يملك فيه الكثير من المرضى دائمًا وصولًا سهلًا إلى معلومة طبية موثوقة، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تصبح أداة قوية للصحة العمومية عندما تُستخدم بشكل صحيح.
إن المنع التام للأطباء من التعبير عن أنفسهم لن يلغي الحاجة للمعلومة، بل سينقل هذه الحاجة ببساطة نحو مصادر أقل موثوقية.
إذًا، الحل الصحيح ليس الصمت.
الحل الصحيح هو التنظيم، والتقنين، واحترافية التواصل الطبي الرقمي.
لقد تغير العالم.
وعلى الطب أيضًا أن يتعلم كيف يتواصل بذكاء مع المجتمع.
كتبه أبو مريم .