28/07/2025
تقوم العلاقة بين علم التجويد والأرطوفونيا على التقاء بنيوي بين نظام لغوي صوتي مضبوط (التجويد)، وميدان طبي-لغوي علاجي (الأرطوفونيا)، حيث يعالج كلاهما – وإن اختلفت الأدوات والغايات – عمليات إنتاج الأصوات، تنظيمها إدراكيًا، وضبط مخارجها في السياق الوظيفي.
المحور ❶: تطابق الميكانيزمات الصوتية – Articulation et contrôle neuromoteur
علم التجويد يقدم تقعيدًا دقيقًا للحروف العربية من حيث:
المخرج الأساسي (مكان التقاء عضوين نطقيين)
الصفة (جهر/همس، شدة/رخاوة، استعلاء/استفال،... إلخ)
زمن الصوت وطبيعته (قصير/طويل، ساكن/متحرك،... إلخ)
✅ هذا يتطابق مع المبادئ الفيسيولوجية للأداء الصوتي التي نعتمدها في الأرطوفونيا، خاصة في تقييم وعلاج اضطرابات النطق، مثل:
خلل الموضع (Erreur d’articulation positionnelle): عند اضطراب تموضع اللسان (interdentale, latérale...)
ضعف التنسيق الحركي (Dyspraxie verbale): حيث نعتمد وصف المخارج بدقة لتكوين خريطة تعليمية حركية للصوت.
الضعف العضلي أو الشلل (dysarthrie): حيث يتم التدريب على إخراج الأصوات من مناطقها الصحيحة.
مثال تطبيقي: نُوظف "القلقلة" مثلًا (إطلاق الصوت فجأة بعد انحباسه) في تدريب العضلة اللفظية على الأصوات الانفجارية (plosives) مثل /q/ و /b/ و /d/.
المحور ❷: المعالجة الفونولوجية والتمييز السمعي – Traitement phonologique et discrimination auditive
علم التجويد يُدرّب المتعلم على تمييز أصوات متقاربة جدًا (مثال: "ذ – ز – ظ" أو "س – ص – ث")، وهذه القدرة تُوازي ما نُسميه في الأرطوفونيا بـ:
التمييز الفونيمي (Discrimination phonémique)
المعالجة السمعية الفونولوجية (Traitement auditif phonologique)
✅ هذه العمليات أساسية في:
علاج اضطرابات القراءة من النوع الفونولوجي (dyslexie phonologique)
حالات فقدان اللغة (aphasie) التي تؤثر على تحليل/تركيب السلسلة الصوتية
اضطرابات اللغة التطورية (dysphasie) حيث يختلط إدراك الأصوات أو يتأخر
تقنية مقابلة: نستخدم التكرار المقارن والتضاد الصوتي كما في التجويد ("س ص ش")، وهي نفس تقنية auditory bombardment المعروفة في التدخل المبكر (Cycles Approach).
المحور ❸: التنظيم التنفسي الصوتي – Soutien respiratoire et contrôle de la phonation
علم التجويد يتطلب:
التحكم في النفس أثناء التلاوة (أحكام الوقف والابتداء)
تنظيم ضغط الهواء أثناء نطق الحروف المختلفة
ضبط طول المقاطع الصوتية عبر المدود
✅ هذه العمليات تُطابق ما نُدرّسُه في الأرطوفونيا لتأهيل:
اضطرابات الصوت (dysphonie): حيث نُدرّب المريض على تقنيات دعم النفس (souffle contrôlé)
اضطرابات السيولة مثل التأتأة (bégaiement): عبر تقنية gestion phrastique وtempo rythmique
اضطرابات الرنين (rhinolalie): حيث نعيد ضبط تدفق الهواء بين الفم والأنف أثناء النطق
تقنية مقابلة: نستخدم تمارين الوقف عند نهاية الآية مثلًا كتدريب على contrôle de l'expiration، وهي تقنية مكافئة لـ flow phonation في التأهيل الصوتي.
المحور ➍ (الإضافي): تكوين الخريطة الصوتية – Cartographie articulatoire intra-linguistique
من خلال التجويد، يُكوِّن المتعلّم خريطة صوتية ذهنية للغة العربية تتضمن:
تموقع الأصوات داخل الجهاز النطقي
تتابعها الزمني
إدراكها التمييزي
✅ وهي الخريطة نفسها التي يُعاد بناؤها وظيفيًا لدى الأطفال ذوي اضطرابات النطق أو الأشخاص الذين فقدوها (apraxie, surdité), وتدخل ضمن برنامج phonological awareness training أو reconstruction phonétique.
علم التجويد يُعد ممارسة لغوية متقدمة توفّر بيئة طبيعية لتدريب المخارج الصوتية، تنظيم النفس، وتحقيق التوازن بين الإدراك الصوتي والإنتاج النطقي.
من منظور أرطوفوني سريري، يمكن اعتبار التجويد نموذجًا وظيفيًا لـ:
دعم النظام الفونولوجي الداخلي
بناء التحكم النطقي العضلي
تقوية التمييز السمعي والبصري للحروف
تنشيط المسارات العصبية الصوتية الإدراكية
كل هذا يجعله قابلاً للدمج ضمن بروتوكولات التأهيل، خاصة
للناطقين بالعربية، سواء في السياقات العيادية أو التربوية.
منقول*