18/12/2025
تأمّلات حول الشك وحُسن الظن
الشكّ شعورٌ خفيّ، يتسلّل إلى القلب بصمت، فإذا استقرّ فيه أفسد صفاءه، وبدّل الطمأنينة قلقًا، واليقين اضطرابًا. هو ليس سؤالًا عابرًا، بل حالة نفسية تُرهق صاحبها وتُتعب من حوله. فالإنسان الذي يشكّ في كل أمر يشبه المريض المزمن؛ يطوف على الأبواب باحثًا عن دواء، بينما علّته الحقيقية تسكن داخله، في نظرته، وفي تفسيره لكل تصرّف وكلمة.
في العلاقات الإنسانية، يُعدّ الشكّ من أخطر ما يهدّدها. فهو يهدم الثقة، ويزرع سوء الفهم، ويحوّل أبسط المواقف إلى أدلّة اتهام. ومع الوقت، تتبدّل المودّة حذرًا، والقرب مسافة، ويعيش الإنسان في عزلةٍ رغم ازدحام من حوله، لأنه فقد القدرة على الاطمئنان.
أمّا حين يُحسن الإنسان الظن، فإن الحياة تتغيّر نبرتها. يصبح القلب أوسع، والعلاقات أهدأ، والنفس أكثر راحة. حُسن الظن لا يعني السذاجة، بل هو اختيارٌ واعٍ لسلامة القلب، وتغليب للخير ما دام الشرّ غير يقيني. هو راحة لا يشعر بها إلا من جرّب ثقل الشك ثم تخلّى عنه.
ومن الناحية الدينية، فإن حُسن الظن عبادة قلبية عظيمة. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
وحُسن الظن بالأخ، وبالناس، وبالعلاقات الاجتماعية، يثمر سكينةً وتراحمًا. وأعظم ذلك كلّه حُسن الظن بالله سبحانه وتعالى؛ فمن أحسن الظن بربّه عاش راضيًا، مطمئنًا، يعلم أن ما اختاره الله له خير، وإن خفيت الحكمة.
الشكّ حياةٌ مُتعبة، وحُسن الظن حياةٌ ألين وأقرب للسلام. وبين الطريقين يقف الإنسان ليختار: إمّا قلبٌ مُثقَل بالارتياب، أو قلبٌ مطمئن يرى العالم بعين الثقة، ويعيش بسلام مع نفسه ومع غيره ومع الله