26/05/2025
يحكى أنه في بوادي الحجاز، ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، كانت تسكن بطون من قبيلة كندة، وكان سيدهم رجلًا يُدعى جابر بن الضحاك. وكان له ابنة تُدعى المياسة، وكانت آية من آيات الجمال والبهاء.
وقد وصفها الرواة بأنها ذات قدٍّ معتدل، وخدٍّ أسيل، وطرفٍ كحيل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، وعنق طويل، وقامة كأنها ميل من الرماح. وقالوا إنها كانت ذكية العبارة، حاضرة البديهة، ساحرة الإطلالة، إن أقبلت خيّلت، وإن أدبرت فَتَنت. وقد شاع ذكرها بين قبائل العرب، وذاع صيت جمالها وقوّتها.
فلما بلغت سن الزواج، تقدم لخطبتها سادة العرب وأشرافهم وملوكهم، لكنها رفضتهم جميعًا، وأقسمت بذمّة العرب، وشهر رجب، وربّ الأرب إذا طُلب غلب، أن لا يتزوجها ولا يملك قلبها إلا من يغلبها في المبارزة وميدان الحرب، ومواقف الطعن والضرب.
جاءها الكثير من الفرسان، وكلهم حاولوا نيلها، لكنها غلبتهم جميعًا، حتى وصل خبرها إلى سادة قريش وفرسانهم. فرأوا أن يتزوجها أحدهم لتكون رابطة قوية بين قريش وبني كندة، الذين كانوا من أشجع فرسان العرب في المعارك.
عندما وصل وفد قريش، استقبلهم جابر بن الضحاك بكرم الضيافة، فهم أهل الحرم وسادة البطحاء. ذبح لهم الذبائح، وأكرم وفادتهم، وأراق لهم الخمر، واستضافهم ثلاثة أيام.
وبعد انتهاء أيام الضيافة، سألهم عن مطلبهم، فقالوا:
"يا جابر، جئناك راغبين، ولابنتك المياسة خاطبين. قد سمعنا عن جمالها وشجاعتها، ونرجو أن يكون أحدنا زوجًا لها."
وقام أبو الحكم عمرو بن هشام، المعروف بـ"أبي جهل"، يخطبها لابنه حنظلة، وقام غيره يخطبها لأبنائهم.
فقال جابر بن الضحاك:
"يا سادة قريش، ما بقي أحد من العرب إلا وقد جاءنا يطلب ما طلبتم، وسأل ما سألتم. وأنتم الأشراف وسادة الحرم، دعوني أستأذنها في الأمر."
ثم دخل على ابنته المياسة، فوجدها تلمع درعها وتُعدّ سيفها، فلما رأته نهضت.
فقال لها:
"يا ابنتي، إن سادة قريش جاؤونا من مكة يطلبونك للزواج، كل واحد منهم يريدك لنفسه أو لابنه، فاختاري من شئت، واعلمي أنهم سادة البطحاء، وأشراف العرب، وسكان زمزم والصفا."
فقالت المياسة:
"يا أبتِ، لا يملك عناني أحد إلا من غلبني في المبارزة وميدان الحرب. أبلغهم أن يتهيؤوا، ومن غلبني فليكن لي."
خرج جابر إلى وفد قريش وأبلغهم قولها، فقام أبو الحكم عمرو بن هشام قائلًا:
"فلنركب خيولنا، ونلبس سلاحنا، ولنلتق بها غدًا في الميدان، ومن غلبها كان