04/01/2026
في إحدى حالات المتابعة داخل عيادتنا، استقبلنا طفلًا يبلغ من العمر ثلاث سنوات يعاني من تأخر لغوي ناتج عن إدمان الشاشة. في الحصص الأولى كان الطفل هادئًا، متعاونًا، لا يرفض العمل ولا يُظهر أي اضطراب سلوكي. لكن مع الانتقال إلى مرحلة تصحيح النطق، ظهر البكاء في حصتين متتاليتين. بعد التشاور مع الأم وتغيير توقيت الحصة، تم برمجة حصة صباحية مشتركة بين المختصة النفسية والمختصة الأرطوفونية. خلال ساعة كاملة من العمل على اللعب، وتنمية المهارات، والإدراك، والتفاعل، لم يُظهر الطفل أي بكاء. غير أن البكاء عاد مباشرة مع بداية تصحيح النطق، وهو ما سمح لنا بفهم أن الإشكال ليس لغويًا بحتًا، بل مرتبط بطريقة التعامل في البيت، حيث كان التركيز منصبًا فقط على تصحيح النطق دون تنمية المهارات الأساسية، مما أفقد الطفل ثقته بنفسه وجعله يشعر بالعجز عند الكلام.
هذا المثال يُجسّد طريقة عملنا في العيادة؛ نحن نعرف ملف كل طفل، نعرف قضيته، ونتدخل عندما يستدعي الأمر، ولا نترك الطفل حبيس تشخيص واحد. حين يظهر بُعد نفسي أو سلوكي أو عائلي، يكون التدخل النفسي حاضرًا بشكل تعاوني ومجاني لدفع العملية العلاجية إلى الأمام، لا لمعالجة اللغة فقط وترك الجذور. المتابعة عندنا لا تعني مجرد استقبال طفل في حصة، بل تعني فهمه، فهم عائلته، والتدخل عند الحاجة في الجانب السلوكي والعلاج العائلي. أكتب هذا بصفتي ، مختصة نفسية وعائلية، لأننا نؤمن أن اللغة لا تُبنى وحدها، وأن الثقة في النفس هي الأساس الحقيقي لكل تواصل.