
01/08/2025
📍تقنية السادو بين العلاج النفسي والعلوم الزائفة.
❇️ الجزء الثالث: ما وراء التأمل… وخطر استغلال الألم.
في الجزء الثالث من هذه السلسلة نواصل استكشاف مدى صحة الادعاءات المقدمة حول تحويل الألم الجسدي إلى تجربة تنمية ذاتية، ونستعرض كيف يمكن لهذه التقنية، عند إعادة تسويقها خارج سياقها الثقافي الأصلي، أن تصبح مصدرًا لإدخالات نفسية ضارة، وقد تغذي ميولًا مازوخية غير واعية لدى بعض الأفراد، كما نناقش معايير العلم التي تحكم التمييز بين ما هو علمي وما هو زائف.
✅ من التأمل الذاتي إلى الاستغلال التجاري:
في السنوات الأخيرة، انتشرت تقنية السادو (Sadhu)، أو الوقوف على لوحة المسامير، في عدة منصات تدريبية ومراكز تطوير الذات، تحت شعارات مثل:
🔹 "اكسر خوفك"،
🔹 "تغلب على الألم لتولد من جديد"،
🔹 "اكتشف طاقتك الكامنة"،
🔹 "واجه عقلك كما تواجه المسامير"...
هذه العبارات تحمل بريقًا تحفيزيًا، لكنها قد تكون واجهة تجارية لممارسات غير آمنة وغير علمية.
⚠️ خطر تسليع الألم باسم "النمو الشخصي":
تقنية السادو، حين تخرج من سياقها الثقافي الأصلي، وتُعرض في دورات باهظة الثمن تحت اسم “التحول الداخلي”، تفقد معناها الروحي(حسب الثقافات التى أؤمن بها)، وتتجه نحو تسليع الألم والمعاناة، وهذا التحول يمثل إشكالية من ناحيتين:
1️⃣ تضليل نفسي وعلمي: يتم تقديم الممارسة كوسيلة مؤكدة للتطور النفسي دون أي أدلة، مما قد يدفع البعض لاتخاذ قرارات خاطئة تخص صحتهم النفسية.
2️⃣ استغلال عاطفي ومالي: يُستهدف أفراد يمرون بأزمات، أو يبحثون عن إجابات سريعة، ويتم إقناعهم بأن الألم الجسدي هو الطريق الوحيد للتطور أو التحرر.
✅ لماذا يُقبل الناس على مثل هذه التقنيات؟
👈 ضعف الثقافة النفسية:
في غياب التثقيف النفسي القائم على العلم، يسهل أن ينجذب الناس للتقنيات الغريبة التي تعد بـ"الشفاء السريع"، و"إعادة برمجة الذات".
👈 رغبة عميقة في التحكم:
الوقوف على المسامير يمنح إحساسًا ظاهريًا بالقوة، والسيطرة على الجسد، وهذا قد يكون مغريًا للأشخاص الذين يشعرون بالعجز أو الفقدان في حياتهم.
👈 الإيحاء الجماعي:
عندما تتم الممارسة في مجموعات، تحت إشراف شخص كاريزمي، تصبح التجربة مشحونة بالإيحاء الجمعي، ما يزيد من الإحساس بالنجاح الزائف.
✅ كيف نميز بين العلاج النفسي القائم على العلم، والعلوم الزائفة مثل تقنية السادو؟
🟢 العلاج النفسي العلمي:
✅ قائم على الأدلة (مثل الدراسات العشوائية المحكمة RCTs، والتحليلات التراكمية Meta-analysis).
✅ يخضع لتجارب علمية منظمة ومكررة.
✅ تحت رقابة هيئات مهنية وأخلاقية.
✅ يراعي خصوصية وسلامة المريض النفسية والجسدية.
✅ نتائجه قابلة للقياس، ويمكن تكرارها بشكل موثوق.
⛔ أما التقنيات الزائفة مثل السادو:
❌ لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة.
❌ لا تخضع لتجريب علمي منهجي.
❌ لا تخضع لرقابة مهنية.
❌ قد تهمل شروط السلامة الجسدية والنفسية.
❌ تعتمد على تجارب فردية وتأثيرات مؤقتة، وغير قابلة للقياس الدقيق.
❗ ممارسات مشابهة للسادو تقع تحت نفس التصنيف:
🔸 المشي على الجمر.
🔸 النوم على الزجاج.
🔸 الصراخ العلاجي غير الممنهج.
🔸 جلسات "تحرير الطاقة" بدون أساس علمي.
🔸 ضرب الجسد كوسيلة للتخلص من الذكريات السلبية.
❌جميعها تعتمد على إثارة حسية قوية تُفسر بعد ذلك بأنها "تطهير نفسي"، لكنها لا تخضع لأي تقييم سريري أو معيار علاجي معتمد.
✅ موقف علم النفس من "ألم التطهير" و"التحول من خلال الألم":
في الثقافة الشعبية وبعض التيارات الروحية، يُصوَّر الألم أحيانًا كطريق لا غنى عنه للنمو، ويُروَّج لما يُعرف بـ"ألم التطهير" أو "التحول عبر المعاناة"، بحيث يُنظر إلى الألم كشرط أساسي للشفاء أو الارتقاء، ولكن من وجهة نظر علم النفس الحديث، هذا الطرح يحتاج إلى مراجعة دقيقة.
❌ 1. رفض تمجيد الألم أو تقديس المعاناة:
علم النفس لا يتعامل مع الألم بوصفه تجربة "مُطهِّرة" بحد ذاته، بل بوصفه إشارة نفسية أو جسدية تستحق الفهم، والتنظيم، والمرافقة العلاجية.
لا وجود في الأدبيات النفسية الجادة لما يدعو إلى تمجيد الألم أو السعي نحوه من أجل الشفاء، كما لا تُعزز الممارسة العلاجية الفعالة أي شكل من التقشف العاطفي أو الإيذاء الذاتي كوسيلة للنمو.
✅ 2. دور الألم في التحوّل الإيجابي (Post-Traumatic Growth - PTG):
بالمقابل، تشير بعض الأبحاث (مثل دراسات Tedeschi & Calhoun, 2004) إلى مفهوم "النمو ما بعد الصدمة"، وهو تحول إيجابي ممكن وليس مضمونًا، يحدث لدى بعض الأشخاص بعد المرور بتجربة مؤلمة.
لكن هذا النمو لا ينجم عن الألم ذاته، بل عن:
• المعالجة المعرفية (Cognitive Processing)
• دعم اجتماعي مناسب
• إعادة صياغة المعنى في الحياة بعد الصدمة.
📌 النمو لا يحدث عبر الألم، بل عبر التعامل الصحي مع الألم.
🔍 3. التكامل مع المقاربة الدينية الصحيّة:
حتى في التصورات الدينية المتزنة، لا يُطلب من الإنسان أن "يتألم لكي يتطهر"، بل أن يتحلى بالصبر، ويتوكل على الله أثناء الألم، مع السعي لرفعه ومعالجته.
وبالتالي، فإن الدمج بين التصور الديني المتزن، والمقاربة النفسية المعاصرة يركز على التكيف لا على التقديس.
🚫 4. رفض ممارسات "العلاج عبر الألم الجسدي أو الإذلال":
بعض الممارسات التي تُروَّج كوسائل "تحرر روحي" أو "تطهير نفسي" مثل:
• الوقوف على المسامير.
• المشي على الجمر.
• الجَلد أو الحرمان القاسي.
… لا تستند إلى أي دليل علمي، بل تندرج ضمن أساليب غير أخلاقية وغير علاجية، وقد تؤدي إلى إعادة التروما (re-traumatization) أو اضطرابات في صورة الذات.
❓هل يمكن أن تُغذّي ممارسات "السادو" بعض الميول المازوخية؟🩸🧠
تُروَّج ممارسات " السادو" ضمن دورات تنمية ذاتية أو "تحوّل داخلي"، وتُقدَّم أحيانًا كاختبار للانضباط أو كرمز لتجاوز الألم 💥🧘.
لكن في جوهرها، تعتمد هذه الممارسات على تعريض الجسد لألم حاد ومباشر، ما يثير تساؤلات نفسية حول العلاقة بين تكرار هذا النوع من الألم الطوعي والميول المازوخية.
🔍 فعند بعض الأشخاص — خاصة ممن لديهم ميول غير معلنة أو غير واعية لتلقّي الألم كوسيلة للتفريغ أو الإشباع — قد تتحوّل هذه التجربة إلى نمط معزز لسلوك مازوخي.
ويكمن الخطر في أن التكرار المنتظم لممارسات الألم الجسدي، خارج أي إطار علاجي أو طبي واضح، قد يُغذّي ارتباطًا نفسيًا بين الألم والارتياح أو الإحساس بالقوة😖💪، مما يكرّس اعتمادية سلوكية غير صحية.
📚 تشير أبحاث في علم النفس إلى أن بعض الميول المازوخية قد تنشط أو تتفاقم عند التعرّض المتكرر لألم يُفسَّر على أنه "محرّر" أو "مطهِّر"، خصوصًا في بيئات مشحونة رمزيًا أو شعوريًا لتبرير هذا الألم 🔮.
🚫 لذا، فإن المراقبة النفسية الدقيقة لدوافع الانجذاب لمثل هذه الممارسات ضرورية، لتفادي الخلط بين "التحول النفسي" وتعزيز أنماط وجدانية مختلة لا تخدم الصحة النفسية على المدى الطويل.
✅ ماذا يمكن أن يفعل المختص النفسي تجاه هذه الظواهر؟
🔹التوعية العلمية: عبر محاضرات، مقالات، ومنشورات توعوية تكشف الأساس غير العلمي لهذه التقنيات.
🔹 النقاش النقدي المفتوح: لا يُكفي السخرية أو التحقير، بل يجب تفكيك المزاعم بطريقة علمية واضحة.
🔹 تعزيز الثقة بالعلاج النفسي: عبر إظهار بدائل علاجية قائمة على الأدلة، ومراعية للكرامة الإنسانية.
🔹 رصد حالات الاستغلال: والتبليغ عن الممارسات التي تُعرض الأفراد للخطر تحت اسم العلاج.
💡 الخلاصة:
ليس كل ألم شفاء، ولا كل تجربة مؤثرة تُعد علاجًا.
علم النفس الحديث يعترف بأن الألم جزء من التجربة الإنسانية، لكنه لا يمجّده، بل يسعى إلى فهمه، مساعدتنا على التكيّف معه، ومعالجته عندما يتفاقم.
🛑 بعض التقنيات الحديثة، مثل السادو (لوحة المسامير)، التي تنتمي إلى ثقافات معينة، استُوردت وتم تسويقها بأسماء جذابة، وبوعود مبالغ فيها، تقدم الألم كطريق مختصر للنمو أو الشفاء.
👩⚕️ كمعالجين نفسيين، لا نحارب الثقافات، بل نحمي الناس من الترويج للمُعاناة كمحرّك إلزامي للتغيير، ومن تسويق الألم كعلاج، دون دليل علمي أو أساس أخلاقي.
🧩 الألم ليس عدوًّا… لكنه ليس طريقًا سحريًا للشفاء أيضًا، والتطوير الذاتي الحقيقي لا يُبنى على وخز الأجساد، بل على فهم الذات، والرعاية النفسية المتزنة.
📚 المراجع:
1. Buntrock, C., Ebert, D. D., Lehr, D., et al. (2016). Effect of a web-based guided self-help intervention for prevention of major depression in adults with subthreshold depression: a randomized clinical trial. JAMA, 315(17), 1854–1863. https://doi.org/10.1001/jama.2016.4326
2. Freud, S. (1924). The Economic Problem of Masochism. The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, Volume XIX.
3. Krueger, R. B. (2010). The DSM diagnostic criteria for sexual masochism. Archives of S*xual Behavior, 39(2), 344–354. https://doi.org/10.1007/s10508-009-9499-z
4. Nordgaard, J., Sass, L. A., & Parnas, J. (2013). The psychiatric interview: validity, structure and subjectivity. European Archives of Psychiatry and Clinical Neuroscience, 263(4), 353–364. https://doi.org/10.1007/s00406-012-0366-z
5. Moser, C., & Kleinplatz, P. J. (2006). Themes of SM expression. Journal of Homosexuality, 50(2-3), 133–166. https://doi.org/10.1300/J082v50n02_07
6. Turban, J. L., Keuroghlian, A. S., & Mayer, K. H. (2017). S*xual health in the DSM-5 era. The Lancet Psychiatry, 4(3), 214–215. https://doi.org/10.1016/S2215-0366(17)30038-7
7. Klement, K. R., Sagarin, B. J., & Lee, E. M. (2016). Why do people engage in B**M? A comparison of thematic content in self-identified B**M and non-B**M individuals' descriptions of sexuality. The Journal of S*x Research, 54(6), 757–770. https://doi.org/10.1080/00224499.2016.1139024
8. Williams, D. J., Prior, E. E., & Wegner, J. R. (2015). Resolving social problems associated with sexuality: Can a "sex-positive" approach help? Social Work, 60(3), 261–263. https://doi.org/10.1093/sw/swv017
9. Hegarty, P. (2007). The body as the limit: Michel Foucault and the disciplining of the body. Discourse Studies, 9(4), 493–509. https://doi.org/10.1177/1461445607079161
10. Kane, N. (2015). Spiritual Masochism and Ascetic Practice: Pain, Power, and the Passion in Contemporary Religious Experience. Journal of Religion and Health, 54(2), 644–657. https://doi.org/10.1007/s10943-014-9847-7
© Dr. Leila Missoum – Idrak Clinic