15/09/2016
اضطراب نقص الانتباه
هل مرض نقص الانتباه هو فعلا ضعف في إرادة الشخص، بمعنى أنه يستطيع أن يركز جيدا على الأشياء التى تعنيه والمشوقة بالنسبة له، أم أن الأمر غير ذلك؟ بالفعل هو مسألة أكبر من ذلك، حيث هناك مشكلة كيميائية بالمخ في (الجهاز الإدارى) إن جاز التعبير. فكثير من الأطفال والمراهقين المصابين بهذا المرض يظهرون قدرا عاليا من الذكاء العام و من الممكن أن يؤدوا بصورة ناجحة ومتفوقة في كثير من الأشياء مثل كرة القدم أو الألعاب الأليكترونية، ولكن فيما يتعلق بالدراسة تحديدا فهذه مشكلة كبرى رغم الرغبة الشديدة أحيانا في التركيز والفهم. فإذا أمعنا النظر في مسألة نقص الانتباه نجد أنها معقدة، حيث أنها تشمل أشياء كثيرة غير الانتباه مثل صعوبة تنسيق المذاكرة، تجنب الأمور التى تحتاج إلى مجهود ذهنى مستمر، صعوبة في متابعة التفاصيل، فشل في إنهاء المطلوب أو تحقيق الهدف، بالإضافة إلى نسيان مبالغ فيه للأنشطة اليومية، ثم يعقب ذلك كله شعور بالإحباط والفشل.
وقد ظهر تصور طبي مؤخرا لمشكلة نقص الانتباه يقول بأنها مشكلة في (الوظائف الإدارية) المخية، والمقصود بالوظائف الإدارية المخية هو دوائر مخية تستطيع أن تنسق وتنظم وتعطي الأولوية لبعض الوظائف وتعمل علي تكاملها مع بعضها البعض، و بالتالي فهى تدير الوظائف المعرفية إن جاز التعبير. وهى تشبه الأوركسترا الموسيقية التى تعزف سيمفونية ما، فكل عازف موسيقي يعزف جيدا على حدة ولكن لابد من موسيقار لتنسيق عمل الأوركسترا ككل لإخراج موسيقى جيدة وإلا فسيكون هناك الكثير من النشاز والشذوذ الموسيقي. في هذه الحالة، فإن المشكلة تكمن في الموسيقار وليس في الموسيقيين المهرة أعضاء الفرقة الموسيقية.
تشبيه آخر قد يساعد على توضيح الصورة، تخيل لو أن هناك شيف ماهر يملك مطبخا حديثا متكاملا به كل أدوات الطبخ ، بل أن لديه العديد من كتب الطبخ التى يعتمد عليها، إذا كان هناك اضطراب في هذه الوظائف الإدارية فلن تجده قادرا على إيقاد الموقد في اللحظة الملائمة وضبط درجة الحرارة المطلوبة مع الأوعية الملائمة... الخ، وفي النهاية هذا الطباخ الماهر لن يكون قادرا على تجهيز عشاء لذيذ في الوقت الملائم على الطاولة المحددة، هذا رغم رغبته الشديدة في أن يؤدى عمله على أكمل وجه. فالمشكلة تكمن فى عدم القدرة على تنشيط واستغلال هذه الوظائف الإدارية فضلا عن الاستمرار في توظيفها للغرض المحدد وذلك رغم الرغبة الاكيدة في ذلك.
جدير بالذكر أن معامل الذكاء العام في هذا المرض عادة ما يكون طبيعيا تماما، بل في بعض الأحيان يكون فوق الطبيعى وهكذا نجد أن المسألة ليست ضعفا في إرادة الشخص وعزيمته بقدر ما هي اضطراب في هذه الوظائف الإدارية المخية. ولكن ما هى هذه الوظائف الإدارية المخية؟
يخطئ من يتصور أن مشكلة فرط الحركة ونقص الانتباه هى مجرد حركة زائدة وعدم إنصات عند التحدث إلى الشخص، فهذه المشكلة تشمل اضطراب في ضبط البؤرة على الشيء، تنسيق العمل لتحقيق غرض معين ، وجود دافع وحافز لتحقيقه، تعديل وضبط الناحية العاطفية والوجدانية الملائمة، إعمال الذاكرة وغيرها من أعمال الجهاز الإدارى المخى. فالتركيز عملية معقدة للغاية تلعب دورا كبيرا في تحديد ما نراه ونتذكره ونفكر فيه ونشعر به... الخ، أي أنها إطلاقا ليست نشاطا معزولا وحيدا من أنشطة المخ، وهكذا نجد أن تنسيق كل الوظائف والإمكانيات لإنتاج انتباه جيد هو هذه الوظائف الإدارية والتى تشمل ما سنتحدث عنه والتى تعمل في تناسق وتناغم تامين مثل الأوركسترا السيمفونى أو الطباخ الماهر لإنتاج قطعة موسيقية ذات شجن أو وجبة عشاء جميلة.
١. تنسيق الأفكار والأشياء، إعطاء الأولوية المناسبة وتنشيط الشخص وتجهيزه للعمل وهذه يطلق عليها (التنشيط).
٢. إعمال البؤرة الضيقة والاستمرار فيها ثم تحويل هذه البؤرة للأهداف والأغراض حسب الحاجة وهذه يطلق عليها (البؤرة).
٣. تنظيم اليقظة، الاستمرار في بذل المجهود وسرعة الأداء وهذه يطلق عليها (المجهود).
٤. التعامل مع الإحباط وتعديل وضبط المشاعر المختلفة وهذه يطلق عليها (العاطفة).
٥. توظيف واستغلال الذاكرة وتسهيل استدعاء المعلومات من الكمبيوتر المخى وهذه يطلق عليها (الذاكرة).
٦. المراقبة للأداء الشخصى وتعديل السلوك بالتبعية وتنظيم الأداء وهذه يطلق عليها (الفعل).
من هذه المكونات الستة (التنشيط، البؤرة، المجهود، العاطفة، الذاكرة، الفعل) يتكون ما يطلق عليه الوظائف الإدارية للمخ، والتى يصيبها الاضطراب في حالة اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة والتى تؤدى إلى العشرات من الأعراض والعوارض المرضية، وهى ليست صفات محددة ودقيقة مثل الطول مثلا أو الوزن أو درجة الحرارة ولكنها بمثابة (سلة) تسقط فيها الوظائف المعرفية المختلفة وتتفاعل بعضها البعض لتكون الجهاز الإدارى للمخ.
وللحديث بقيــــــــة