27/01/2026
قوّةُ الرِّجال في التَّغافُل: دروسٌ تربويةٌ من السُّنَن الكونية وهدي النبوّة.. (Translator / Penerjemah)
ليست القوّةُ في ميزان الشريعة هي الغَلَبةَ الدائمة، ولا الانتصارَ في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، ولا إظهارَ القدرة عند كلّ موضعٍ تُتاح فيه.
بل القوّةُ الحقيقيةُ -كما يعلّمنا الوحي وتُقرِّره الفطرة- هي القدرةُ على الكَفِّ حين يُمكنُ البطش، وعلى التَّغافُل حين يُتاحُ التَّتَبُّع، وعلى الحِلم حين يُغري الغضب.
أظهرت بعضُ دراسات سلوك الحيوان -ومن ذلك ما نُشر في دورية Animal Behaviour- أن الجِراءَ الذكور، رغم تفوّقها الجسدي، تتعمّد في اللعب مع الإناث كبحَ قوّتها، بل وتضع نفسها أحيانًا في مواضع ضعفٍ اختياريٍّ؛ لا عجزًا، بل طلبًا لاستمرار اللعب، وبناءً للروابط، وحفاظًا على التفاعل الاجتماعي!.
وهذا المعنى -من حيث الأصل- ليس غريبًا عن سنن الله في الخلق؛ إذ إن البقاءَ ليس للأقوى بطشًا، بل للأقدر على ضبط قوّته، وحُسن توظيفها في موضعها.
----
من السُّنَن الكونية إلى الهدي الإنساني.
وإذا كان هذا السلوك يُرى في عالم الحيوان بوصفه استجابةً فطريةً غير واعية، فإن الشريعةَ جاءت لترتقي بالإنسان، لا ليبقى أسيرَ الغريزة، بل ليكون سيّدها ومُهذِّبها.
فالزواج، والعِشرة، وبناء الأُسرة، ليست ميدانَ صراعٍ لإثبات التفوّق، بل ساحةَ سَكَنٍ ومودّةٍ ورحمة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
فالسكَن لا يقوم على المحاسبة الدقيقة، ولا على استقصاء الهفوات، ولا على الانتصار في كلّ خلاف.
----
النبي ﷺ: قمّة القوّة مع قمّة الحِلم.
كان النبي ﷺ أكملَ الناس رجولةً، وأعظمَهم هيبةً، وأقواهم شخصيةً، ومع ذلك كان أوسعَهم صدرًا، وأعظمَهم تغافلًا عن الهفوات التي لا يترتّب عليها فسادُ دينٍ ولا هدمُ أصل.
قال ﷺ: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر».
وهذا الحديث أصلٌ تربويٌّ عظيم؛ إذ يُؤسِّس لنظرةٍ كليةٍ عادلة، لا تُجزّئ الإنسان، ولا تطلب منه الكمال، ولا تُحوّل العِشرة إلى محكمة.
وكان ﷺ يُدرك طبيعة النساء، ويعلم ما فيهن من حدّةٍ وعاطفةٍ وتقلّب، فكان يتجاوز، ويصبر، ويبتسم، لا عن ضعفٍ -حاشاه- بل عن فقهٍ بالمآلات، ومعرفةٍ بما تُقام به البيوت وتُحفَظ به القلوب.
----
توصيات السلف: التغافل نصف العيش.
كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "العاقلُ من عرَفَ الخيرَ من الشرّ، ولم يُغالِبِ الشرَّ بالشرّ".
وقال غيره: "ما استقصى كريمٌ قطّ".
وقال بعضهم: "التغافلُ تسعةُ أعشارِ العافية".
وكانوا يعدّون استقصاء الزلّات، والمحاسبةَ على كلّ لفظٍ، من ضيق النفس، وسوء العِشرة، وقِلّة الفقه بالناس وبالحياة.
----
قابليّةُ المحلّ: متى يكون التغافلُ حكمةً ومتى ينقلبُ تفريطًا؟!.
ومع ذلك، فإن التغافل -على شرفه وعلوّ منزلته- ليس خُلُقًا يُمارَس في كلّ بيئةٍ بلا قيد، ولا سياسةً تُؤتي ثمارها مع كلّ نفس.
فقد قرّر السلف أصلًا دقيقًا، وهو أن الأخلاق الرفيعة لا تنجح إلا في محلٍّ قابل.
فقال سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا تضع الحِلمَ عند السفهاء، فيكون ذلًّا".
وقالوا: "الأدبُ إنما ينفع من له أصل".
فالتغافل ينجح حيث تكون المرأة قد تربّت على احترام القِوامة، وفهمها بوصفها تكليفًا ومسؤوليةً، لا تسلّطًا ولا قهرًا، وتربّت على أن العلاقة الزوجية تكاملُ أدوارٍ لا صراعُ نفوذ.
فهذه تُقابل الحِلم بالحياء، والتجاوز بالتقدير، والصبر بالشكر الصامت.
أمّا إذا تشكّلت نفسُ المرأة في أحضان الفكر النسويّ الحادث، الذي يُعيد تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة بوصفها معركةَ سلطة، ويُفسّر القِوامة قهرًا، والحِلم ضعفًا، والتغافل هزيمةً؛ فإن هذا الخُلُق الشريف ينقلب من سياسة بناءٍ إلى ثغرة استطالة، ومن علاجٍ إلى عامل اختلال.
ولهذا قال خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "ليس الحليمُ من لا يغضب، ولكن الحليمُ من يضع الأمورَ مواضعَها".
----
الرجولة ليست في الغَلَبة الدائمة..
الرجلُ الذي يُصرّ على الانتصار في كلّ نقاش، ويُذكّر بكلّ زلّة، ويجعل بيته ساحةَ اختبارٍ للقوّة، قد يربح جدلًا… لكنه يخسر سكنًا، ويهدم مودّةً، ويُطفئ روح العِشرة.
كما أن الذكر -في السُّنَن الكونية- لا “يخسر” حين يكبح قوّته حفاظًا على العلاقة، كذلك الرجل العاقل لا يخسر حين يتغافل عن هفوةٍ محتملة، ما دام الأصل محفوظًا، والدين قائمًا، والميزان منضبطًا.
----
خاتمة:
ليس التغافلُ دعوةً للذلّ، ولا قبولًا بالباطل، ولا سكوتًا عن الظلم، وإنما هو فقهُ الموازنة بين ما يُحتمل وما لا يُحتمل، وبين ما يُصلَح بالحِلم وما لا يُصلَح إلا بالحزم.
ومن فقه سيرة النبي ﷺ، وكلام السلف، وسنن الله في الخلق، عُلم أن أعظمَ الرجال قوّةً… هم أقدرُهم على التغافل، إذا وُضع في موضعه، وأعلمُهم أن البيوت لا تُبنى بالانتصارات، بل بالمودّة، والرحمة، ومعرفة المقادير.
وصل اللهم وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
------------------------------
The Strength of Men in Overlooking: Lessons from Nature and the Prophetic Guidance
True strength is not measured by always winning or showing power in every situation. It is the ability to restrain oneself when one could dominate, to overlook faults, and to practice patience in moments of anger.
Studies in animal behavior show that male puppies, despite their physical strength, often play gently with females, sometimes placing themselves in positions of voluntary weakness to maintain social bonds and interaction. This reflects a universal principle: survival and harmony are for those who know how to manage their strength wisely.
In human life, marriage and family are not arenas for constant assertion of dominance, but for peace, mercy, and mutual support. The Prophet ﷺ exemplified this: he combined strength with patience, overlooking minor faults without harm to faith or family.
The early scholars advised: “Overlooking is nine-tenths of well-being” and emphasized that high morals succeed only where there is readiness to receive them. A virtuous husband understands that overlooking works where his wife respects the marital framework; otherwise, such patience may be misinterpreted.
True manhood is not about winning every argument, but about maintaining harmony, mercy, and proper balance. Overlooking faults, when exercised wisely, preserves love, home
tranquility, and family unity.
-----------------------------
Kekuatan Pria dalam Bersikap Tegang: Pelajaran dari Alam dan Petunjuk Nabi
Kekuatan sejati tidak diukur dari selalu menang atau menunjukkan kekuatan di setiap situasi. Kekuatan adalah mampu menahan diri saat bisa mendominasi, memaafkan kesalahan, dan bersabar saat marah.
Studi perilaku hewan menunjukkan bahwa anak anjing jantan, meskipun lebih kuat secara fisik, sering bermain lembut dengan betina, kadang menempatkan diri dalam posisi lemah secara sukarela untuk menjaga ikatan sosial. Prinsip ini mengajarkan: kelangsungan hidup dan harmoni bagi yang mampu mengelola kekuatan dengan bijak.
Dalam kehidupan manusia, pernikahan dan keluarga bukan arena untuk selalu menegaskan dominasi, melainkan tempat damai, kasih, dan dukungan bersama. Nabi ﷺ mencontohkan ini: menggabungkan kekuatan dengan kesabaran, memaafkan kesalahan kecil tanpa merusak iman atau keluarga.
Para salaf menekankan: “Bersikap mengalah/memaafkan adalah sembilan persepuluh kesejahteraan” dan bahwa akhlak mulia berhasil hanya bila ada kesiapan untuk menerimanya. Seorang suami yang bijak memahami bahwa mengalah efektif jika istrinya menghormati kerangka rumah tangga; jika tidak, kesabaran bisa salah dipahami.
Kebesaran seorang pria bukanlah memenangkan setiap argumen, tetapi menjaga harmoni, kasih sayang, dan keseimbangan. Bersikap mengalah dengan bijak menjaga cinta, ketenangan rumah, dan kesatuan keluarga.