21/02/2026
يقول البعض إنّ المعالجين النفسيين لا يختارون مهنتهم فحسب… بل إنّ المهنة تختارهم منذ الطفولة.
كأنّ بذرة الإصغاء وقراءة الوجوه وارتجاف النبرات زُرعت فيهم مبكرًا،
في بيوتٍ مضطربة،
أو في بيئاتٍ مجروحة،
حيث كان الطفل يتعلّم — لا حبًا في المهارة — بل طلبًا للأمان.
كان يراقب تعبيرات الكبار بدقة،
يقرأ التوتر في الصمت،
يفهم الغضب قبل أن يُنطق،
ويستشعر الحزن من حركة عين.
وهكذا، قبل أن يعرف معنى “العلاج”،
كان يتدرّب على التعاطف.
ومع الوقت، تتحول آلية النجاة إلى موهبة،
ويتحول الانتباه القَلِق إلى حضورٍ عميق،
وتصبح الحساسية المفرطة قدرةً على الاحتواء.
لهذا حين يجلس أمامهم الآخرون،
يشعرون بألفةٍ غير مفهومة،
كأن هذا الشخص يفهم ما لم يُقال،
ويصغي لما وراء الكلمات.
لكن الحقيقة الأعمق ليست أن المعالج وُلد معالجًا،
بل أنه وُلد إنسانًا تعلّم من جرحه.
وما لم يتحول الجرح إلى وعي،
قد يبقى المعالج أسير دوره القديم:
المنقذ، المُرضي، الحارس الدائم لمزاج الآخرين.
لذلك فالمعالج الحقيقي ليس من تعلّم الملاحظة في الطفولة فحسب،
بل من خضع هو نفسه لرحلة شفاء.
وفي هذا السياق يقول
Carl Jung:**
“فقط الجريح هو من يستطيع أن يشفي.”
(Only the wounded physician heals.)
لكن يونغ لم يقصد تمجيد الجرح،
بل وعيه.
فالجرح غير المعالج يعالج الآخرين ليثبت قيمته،
أما الجرح المعترف به فيعالج من مساحة وعي وموازنة وحرية.
وكما كتب
Irvin D. Yalom
في تأملاته حول هوية المعالج:
“نحن نستخدم ذواتنا كأداتنا الأساسية.”
فالذات هنا ليست سيرةً بيضاء، ولا طفولةً مثالية،
بل تجربة إنسانية تم فحصها، وفهمها، واحتواؤها.
المهنة إذًا ليست مجرد اختيار أكاديمي،
ولا مجرد مهارات مكتسبة،
بل هي — عند البعض — قصة قديمة أعيدت كتابتها بوعي.
ليس كل من نشأ في بيئة مؤلمة يصبح معالجًا،
وليس كل معالج جاء من جرح.
لكن كثيرين منهم تعلّموا في طفولتهم الإصغاء للبقاء،
ثم تعلّموا في نضجهم الإصغاء للحياة.
وهنا يكمن الفرق:
بين من يعالج ليُصلح ماضيه،
ومن يعالج لأنه تصالح معه.
مصطفي ايمن
#وعي #تشافي