01/01/2026
ارفعي إيدك يا مدام.. ارفعيها كمان شوية !! 🙆🙆"
الجملة دي، اللي تبان بسيطة وعادية جداً، كانت هي "كلمة السر" اللي فكت شفرة عذاب استمر سنين.. سنين من رحلة مريضة دخلت عيادتي وهي حرفياً بتصارع عشان تسحب نَفَس واحد كامل، كأن الهوا في الأوضة بقى عدو، ملوش مكان يدخل منه لصدرها.. أول ما قعدت، ما قالتش صدري واجعني ولا عندي كحة، بصت لي بعيون مرعوبة وقالت جملة هزتني: "يا دكتور، أنا حاسة إن في باب حديد مقفول بجنزير جوه رقبتي، الهوا مالي المكان حواليا بس مش عارف يعدي من الجنزير ده!"
الست دي عاشت سنين في "مفرمة" التشخيصات الغلط.. تروح لدكاترة الصدر يقولوا "حساسية صدر مزمنة" ويدوها بخاخات لما صدرها تعب، ومفيش فايدة.. تروح لدكاترة الأنف والأذن يقولوا "جيوب أنفية" وتجرب كل أنواع الكورتيزونات وبخاخات الأنف والمضادات الحيوية، وبرضه مفيش فايدة.. وصلت لمرحلة إنها بقت بتخاف من "الليل"، بتخاف تغمض عينها لحسن النفس يهرب منها وهي مش حاسة.. كانت بتنام وهي قاعدة، مسنودة على مخدات عالية، وعينها على الباب كأنها مستنية معجزة تخلصها من الحصار ده.
لما قعدت قدامي، لاحظت حاجة غريبة جداً وأنا بسمع التنفس بتاعها بالسماعة.. النفس بتاعها مكنش فيه "تزييق" الربو المألوف.. لا، ده كان صوت "حشرجة" حادة وطالعة من فوق، من الزور، صوت احتكاك الهوا وهو بيعافر عشان يعدي من ثقب إبرة.. صوت بنسميه في الطب (Stridor).. هنا بدأت الشكوك تروح لمكان تاني خالص، مكان مستخبي ومحدش فكر فيه.. سألتها السؤال اللي كان الصدمة بالنسبة لها: "يا مدام، الخنقة دي بتزيد عليكي لما ترفعي إيدك تسرحي شعرك؟ أو لما تحاولي تجيبي حاجة من رف عالي؟"
بصت لي بذهول وكأنها شافت حقيقة كانت غايبة عنها، وقالت لي بصوت واطي ومخطوف: "أنت عرفت إزاي؟ دي بتبقى اللحظة اللي بحس فيها إن روحي بتطلع فعلاً، وشي بيسخن ونفسي بيتقطع تماماً!".. هنا طلبت منها تعمل الاختبار الحاسم، اختبار (Pemberton’s Sign).. قلت لها: "ارفعي إيدك الاثنين فوق راسك كده".. وفي أقل من دقيقة، المشهد كان يدرس في كتب الطب! وشها اللي كان باهت فجأة بقى لونه أحمر دموي، وأوردة رقبتها برزت واتنفخت كأنها خراطيم تحت ضغط عالي، وصوت حشرجة التنفس بقى عالي!
طب إيه اللي حصل في اللحظة دي بالظبط؟ 🤔
رفع الذراعين بيضيّق المساحة داخل مدخل الصدر أصلاً.. ولو كانت هناك غدة درقية متدلية خلف عظمة القص (Retrosternal goiter)، فهي:
تنضغط أكتر في المكان الضيق ده.
تضغط فوراً على القصبة الهوائية والأوردة اللي حواليها.
فتظهر أعراض الاختناق واحتقان الدم في الوجه فوراً!
يعني ببساطة: Pemberton sign هو "المُخبر" اللي بيكشف أي كتلة مخفية ومستخبية ورا عظمة القص!
وقتها نطقت في سري: "لقيتك.. أهلاً بيكي يا غدة يا غدارة!".. التشخيص كان غدة درقية ضخمة، بس مش باينة في الرقبة من بره نهائياََ، دي كانت "مهاجرة" ومستخبية ورا عظمة القص.. الغدة دي كانت ملفوفة حوالين القصبة الهوائية زي "قيد" بيعصرها ببطء.. الصدمة إن الست دي كانت دايماً بتعمل تحاليل غدة درقية وبتطلع "طبيعية جداً"، وده اللي ضلل كل الدكاترة اللي كشفوا عليها السنين دي، لأنهم نسوا إن الغدة ممكن تكون وظيفتها كويسة، لكن حجمها ومكانها "خطر ميكانيكياً".
عملنا الأشعة المقطعية، والصورة كانت تحكي قصة الرعب اللي الست دي عاشتها؛ الغدة كانت نازلة لتحت وقافلة مجرى الهوا لدرجة تخليك تستغرب هي كانت بتتنفس إزاي! المريضة بكت من الراحة لما عرفت الحقيقة.. بكت لأنها أخيراً لقت "السبب"، وعرفت إن السنين اللي ضاعت في البخاخات وموسعات الشعب الهوائية والمضادات الحيوية كانت وهم.
المريضة بعد ما شخصتها وأخبرتها بضرورة عمل جراحة لإزالة الجزء المتضخم من الغدة الداخل لمنطقة الصدر خلف عظمة القص بالفعل خضعت لجراحة وأزالت الجزء المتضخم من الغدة الدرقية فرجع التنفس طبيعي تماماً فور الإنتهاء من الجراحة ولله الحمد.
الطب مش بس أرقام وتحاليل، الطب هو "فن الملاحظة"، وإن أحياناً إشارة بسيطة زي "رفع الإيد" انتبهت أنا لها أنقذت حياة مريضة تاهت في صعوبة التنفس والإحساس بالاختناق لسنين طويلة.
د/ أحمد عبد الجواد