02/04/2026
في العيادة… لا أتعامل مع “مشكلة أكل”.
أنا أتعامل مع علاقة معقدة جدًا بين الإنسان وجسده… وبين الإنسان ونفسه.
اضطراب الأكل ليس عن الطعام.
وليس عن الوزن.
ولا حتى عن الشكل.
اضطراب الأكل هو محاولة تنظيم حياة داخلية فوضوية… باستخدام الجسد كمساحة سيطرة.
الشخص الذي يقيّد طعامه بشدة… لا يبحث عن النحافة فقط.
هو يبحث عن شعور نادر في حياته: الإحساس بالتحكم.
حين تبدو المشاعر عشوائية…
العلاقات غير آمنة…
المستقبل غير قابل للتنبؤ…
والألم بلا اسم واضح…
يصبح الجسد هو الشيء الوحيد الذي يمكن السيطرة عليه.
كم آكل.
متى آكل.
كيف آكل.
كم أزن.
الأرقام تصبح لغة بديلة عن المشاعر.
ولهذا لا يكون التعافي مجرد “الأكل بشكل طبيعي”.
لأننا لا نسحب الطعام من المعادلة…
نحن نسحب وسيلة تنظيم نفسي كاملة.
ولهذا يخاف المريض من التعافي… أكثر مما يخاف من الاضطراب نفسه.
التعافي بالنسبة له يعني:
أن يشعر بكل ما كان يهرب منه دفعة واحدة.
القلق.
الفراغ.
الغضب.
الخوف من الرفض.
الخوف من الفشل.
الخوف من فقدان السيطرة على الحياة كلها.
لهذا كثير من المرضى يقولون جملة متشابهة جدًا:
“أنا عارفة إن اللي بعمله غلط… بس مش قادرة أبطل.”
وهذه ليست مقاومة للعلاج.
هذه خسارة أداة البقاء الوحيدة التي يعرفها.
اضطراب الأكل لا يبدأ من المرآة…
يبدأ من الشعور بعدم الأمان.
يبدأ من احتياج عميق للقبول.
من خوف مزمن من الخطأ.
من نقد داخلي لا يهدأ.
من تاريخ طويل من محاولات “أن أكون كافية”.
ولهذا، في العلاج، لا نبدأ من الطعام.
نبدأ من الإنسان.
من العلاقة مع الذات.
من الصوت الداخلي القاسي.
من طرق التعامل مع المشاعر.
من معنى القيمة الشخصية خارج الوزن والشكل.
وحين يبدأ ذلك في التغير… يتغير الأكل تدريجيًا كعرض لاحق.
لأن التعافي الحقيقي لا يعني فقط أن تأكل.
بل أن تعيش دون أن تكون الحرب داخل رأسك طوال الوقت.
التعافي ليس سهلاً… لكنه ممكن.
ويبدأ غالبًا من خطوة صغيرة جدًا:
أن تتوقف عن المحاولة وحدك.
#دأسماءعبدالوهاب