13/01/2026
من أخطر ما أحدثته الوهابية في بنية التدين ليس مجرد اختيارات فقهية مغلوطة أو ترجيحات عقدية فاسدة، بل تحويلها لمنهج المعرفة الدينية نفسه، عبر إسقاط المرجعية العلمية التاريخية، وتسوية العالِم بالعامي، والمتخصص بغير المؤهل، تحت شعار: “الكتاب والسنة بفهم مباشر”.
أولًا: وهم المساواة المعرفية
قدّمت الوهابية تصورًا يُشبه ـ في بنيته ـ الديمقراطية المعرفية؛ حيث يُمنح كل فرد حق منازعة العلماء في أدق المسائل، لا بقصد التعلم، بل بقصد الجدل والمخاصمة، فيُرى الأمي يناطح العالِم، ويطالب بالدليل لا ليهتدي، بل ليُسقِط المرجعية ذاتها.
وهنا لا نتحدث عن إحياء السؤال العلمي المشروع، بل عن نزع الشرعية عن التخصص، وإلغاء التدرّج المعرفي الذي قام عليه الإسلام منذ نشأته.
ثانيًا: القطيعة مع التراث باسم “العودة للأصل”
رفعت الوهابية شعار الرجوع إلى الكتاب والسنة، لكنها في الواقع قطعت مع التراكم العلمي للأمة، وكأن أربعة عشر قرنًا من الاجتهاد، والضبط، والخلاف المنهجي، لم تكن إلا انحرافًا يجب تصحيحه من جديد.
فأُعيدت الأمة إلى “المحطة الأولى” لا بوصفها نقطة تأسيس واعٍ، بل كنقطة إلغاء لكل ما بُني بعدها، وهو ما أدّى إلى تبسيط مخلّ للنصوص، وتفريغها من عمقها المقاصدي والتاريخي.
ثالثًا: تسطيح الدين وتحويله إلى خطاب مادي
ومع تعميم هذا الفهم على العوام، أُبعدت الأمة تدريجيًا عن علمائها، واستُبدل التعليم بالتلقين، والفقه بالمنشورات المختزلة، حتى نشأ جيل متدين شكليًا، مادي التفكير، ضيق الأفق، يقترب في منطقه من إنكار المعجزات أو تأويلها تأويلًا قسريًا، لأن المنهج ذاته لا يحتمل الغيب إلا بقدر ما يخضع للحسّ الظاهر.
رابعًا: من النقد العلمي إلى الفوضى المعرفية
تحوّل “النقد” في هذا السياق من ممارسة علمية منضبطة إلى فوضى معرفية، يُهاجَم فيها العلماء من غير المتأهلين، ويُكسى الجهل لباس “اتباع الدليل”، بينما الحقيقة هي كراهية الوسائط العلمية التي تحفظ للدين توازنه.
خاتمة
إن الأزمة التي صنعتها الوهابية ليست في نصوصٍ بعينها، بل في منهجٍ هدم سلطة العلم باسم التوحيد، وأضعف البنية المعرفية للأمة، وفتح الباب أمام التديّن السطحي، والصراع الداخلي، والتشكيك المستمر في كل مرجعية.