23/02/2021
"لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان".. مَثَلٌ سوريٌّ مشهور يُستَخدَم كضَرْبٍ من أنواع المُزاح بين الأصدقاء.. يُضرَب في سيناريو تكون مُجرَياته غالباً كالتّالي.. مَجموعةٌ مِن الأَصدِقاء تَجمَعُهم دِراسة، مهنة، هواية، أو ربما ذكريات معينة يجتمعون لإحيائها في جلسةٍ لطيفةٍ يتبادَلون فيها قِصَصَهم وأحاديثهم وضَحِكاتهم.. يُقاطِع الجَلسَة أحدُهم ليقول "جعنا، شو ناكل".. غالباً، يتَّفقُ الجميع على أنَّ موعدَ الطَّعام قد حان.. ربّما يكون الخلافُ على نوعيةِ هذا الطعام أحياناً.. لكن لا خلافَ على الفكرة.. وكما نعرف أنّه "مو كل أصابعك مثل بعضها".. مَثَلٌ سوريٌّ آخر فَحواهُ اختِلافُ الطِّباع والصفات بين بني البشر.. ففي بعضِ الأحْيان يكونُ هناكَ شخصٌ سَيعارضُ الفِكرَة ويقولُ مكشّراً "مو جوعان أبداً".. يَدْلو بِدلوِه ثمَّ ينسحِبُ بِظهْرِه إلى مَقْعَدِه، ربَّما يتفقَّدُ رَسائِلَهُ على هاتفهِ المَحمول.. يَجلِسُ مستمعاً فقط، مترفعاً عن المشاركة، لما يتبادله أصدقاؤُه من خياراتِ ما لذَّ وطاب.. تكونُ المُفاجأةُ عندما يحضرُ الطعام، يتحوّل عفيفُ النَّفس غَير الجائِعِ إلى مُفترسٍ بشريّ ينقضُّ على كل ما وَقَع تحتَ يَده.. بعدَ الانتهاءِ من الطّعام، ومع كأسٍ من الشاي يتلوه.. يَصرُخ أَحَدُ الأَصدِقاء "لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان" موجهاً الحديثَ بطرفِ عينَيْه إلى صديقِه المُفتَرس الأَليف.. ويعمُّ الضَّحك المجلس.
بالرغم من الفَحوى التَّرفيهيَّة لهذا المثل السوريّ الشهير، إلا أنّ وَراءَه حَقائِق علميَّة يَكشُفها العِلْم والبحث عن كيفيّة عملِ المَعِدة والجهاز الهضميّ بِتناغُمٍ مُذهل ودقَّةٍ لامتناهيَة. تَبدأُ رِحلَة التحوّل من الأُلْف إلى الافتراس كما أعلاه في العَين، الأذُن والأَنف. مجرَّد الحديث عن الطّعام، رائِحةُ طعامٍ محبَّب أو حتَّى التخيّل أو التفكيرُ به سَيطلقُ منبِّهات عصبيَّة إلى الدماغ، منطقةُ تَحت الوِطاء تحديداً (Hypothalamus). يقومُ الدماغ بدورِه بتحفيزَ عصبٍ ذو مهامَّ عديدةٍ، هوَ الأكبرُ والأَعقِدُ في جسم الإنسان، اسمه "العصب المُبْهَم" (Vagus Nerve). يُرسلُ العصب المُبهَم بدورِه إشاراتٍ عدَّة مفرزاً عشراتِ الهرمونات والوسائِط العصبيَّة كال "اسيتيل كولين" (Acetyl Choline) وال "هيستامين" (Histamine). يَنتجُ عن هذه العمليَّة المعقَّدة تَحفيزُ خلايا اسمُها "الخلايا الجدارية" (Parietal Cells) الّتي تَستوطِنُ قاعَ المَعدَة ومَدخلَها كَحارِسٍ انجليزيٍّ نبيل بيدِه أسرارُ المَمْلكة ومفاتيحَها، يَعتقدُ أنَّه الآمرُ الناهي، لكنَّه في الحقيقةِ يفعلُ ما يُؤمَر.. هو كيمائيٌ بارعٌ أيضًا، يخلطُ ويمزجُ ويطرحُ بإتقانٍ نحتاجُ كتباً ومجلّداتٍ لتعليمه.. بعدَ العملياتِ الكيميائية المعقَّدة، تُفرزُ الخلايا الجدارية الحمضَ المعدي (HCL) إلى داخل المعدة. يُحوُّلُ هذا الحمضُ الوسطَ المَعِدي إلى وسطٍ عالي الحُموضَة.. حيثُ تَنخفضُ Ph الوسطِ المَعدي من معدّل 5، في معدةٍ فارغةٍ ومن دون محفّز، إلى معدّل 2 تقريباً كنتيجةٍ لذلك المحفّز الطَّعامي السَّمعي أو البَصري أو حتى التَخيّلي. إِنقلابُ الوسطِ المعدي وازديادُ معدّلِ الحموضة يُطلقُ عاصِفَةً مِن الهُرمونات الأُخرى تَأتي مِن كلِّ حَدْبٍ وصَوْب، طَوائِف وتَراكيب ومَهام جُزئِيّة مُختلِفة.. كلُّها تَتَّحد تَحتَ رايةِ هدفٍ واحدْ.. هي تأهيل وتجهيز المعدة والجهاز الهضمي أَجْمع أنَّ هناكَ مُلتهماً على وَشك تَنغيصِ راحَتهم.. تَفتحُ المَعدَة مَدخَلها لاستقبالِ ما سَيسْتَطيبُه ذلك المُلتَهم.. وعلى حينِ غَفلَة، وبَينَما هُوَ جالسٌ باسترخاء يُقلّبُ بِهاتفه المحمول محاولاً تَجاهلَ خياراتِ الطّعام التي يَتراشَقُها أَصدِقاؤه.. يُلاحِظُ أنَّ لُعابَه قَد استَفاض ممّا يُصعِب عَليه تَصريفُه دونَ أَن يُلاحظَه أَصدقاؤه.. يُخفضُ رَأسَه ويدّعي الانشغالَ بهاتِفِهِ أَكثر.. تَفشَلُ محاولاته بالتظاهر وتَتطوّر استفاضَةُ الّلعابِ إلى جوعٍ حقيقيْ.. مائدَةُ الطّعام الآن جاهِزة، وكذلك هو المُفْتَرس..
تُغلقُ المَعدة مَخْرَجها بِعنايَةٍ لأربع ساعاتٍ قادِمة.. تَحرُصَ فيها على إِتمام مهمَّتها على أَتمّ وَجه.. تَنْتَهي الوَجبَة.. يَصرخُ أَحدُهم "لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان".. يَضحَك الجميع.. تَمضي السّاعات الأَربع لتَستريحَ المعدةُ استراحةَ محاربٍ على أُهبَةِ الاسْتِعداد لمُباغتةٍ أُخرى..