Dr. Osama Akrama

Dr. Osama Akrama طبيب سوري مقيم في أكسفورد، بريطانيا. أختص في طب الطوارئ والعناية المشددة. صفحتي بقلمي، من وحي الحياة والعلم والطب والمفارقات.

"لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان".. مَثَلٌ سوريٌّ مشهور يُستَخدَم كضَرْبٍ من أنواع المُزاح بين الأصدقاء.. يُضرَب في سي...
23/02/2021

"لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان".. مَثَلٌ سوريٌّ مشهور يُستَخدَم كضَرْبٍ من أنواع المُزاح بين الأصدقاء.. يُضرَب في سيناريو تكون مُجرَياته غالباً كالتّالي.. مَجموعةٌ مِن الأَصدِقاء تَجمَعُهم دِراسة، مهنة، هواية، أو ربما ذكريات معينة يجتمعون لإحيائها في جلسةٍ لطيفةٍ يتبادَلون فيها قِصَصَهم وأحاديثهم وضَحِكاتهم.. يُقاطِع الجَلسَة أحدُهم ليقول "جعنا، شو ناكل".. غالباً، يتَّفقُ الجميع على أنَّ موعدَ الطَّعام قد حان.. ربّما يكون الخلافُ على نوعيةِ هذا الطعام أحياناً.. لكن لا خلافَ على الفكرة.. وكما نعرف أنّه "مو كل أصابعك مثل بعضها".. مَثَلٌ سوريٌّ آخر فَحواهُ اختِلافُ الطِّباع والصفات بين بني البشر.. ففي بعضِ الأحْيان يكونُ هناكَ شخصٌ سَيعارضُ الفِكرَة ويقولُ مكشّراً "مو جوعان أبداً".. يَدْلو بِدلوِه ثمَّ ينسحِبُ بِظهْرِه إلى مَقْعَدِه، ربَّما يتفقَّدُ رَسائِلَهُ على هاتفهِ المَحمول.. يَجلِسُ مستمعاً فقط، مترفعاً عن المشاركة، لما يتبادله أصدقاؤُه من خياراتِ ما لذَّ وطاب.. تكونُ المُفاجأةُ عندما يحضرُ الطعام، يتحوّل عفيفُ النَّفس غَير الجائِعِ إلى مُفترسٍ بشريّ ينقضُّ على كل ما وَقَع تحتَ يَده.. بعدَ الانتهاءِ من الطّعام، ومع كأسٍ من الشاي يتلوه.. يَصرُخ أَحَدُ الأَصدِقاء "لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان" موجهاً الحديثَ بطرفِ عينَيْه إلى صديقِه المُفتَرس الأَليف.. ويعمُّ الضَّحك المجلس.

بالرغم من الفَحوى التَّرفيهيَّة لهذا المثل السوريّ الشهير، إلا أنّ وَراءَه حَقائِق علميَّة يَكشُفها العِلْم والبحث عن كيفيّة عملِ المَعِدة والجهاز الهضميّ بِتناغُمٍ مُذهل ودقَّةٍ لامتناهيَة. تَبدأُ رِحلَة التحوّل من الأُلْف إلى الافتراس كما أعلاه في العَين، الأذُن والأَنف. مجرَّد الحديث عن الطّعام، رائِحةُ طعامٍ محبَّب أو حتَّى التخيّل أو التفكيرُ به سَيطلقُ منبِّهات عصبيَّة إلى الدماغ، منطقةُ تَحت الوِطاء تحديداً (Hypothalamus). يقومُ الدماغ بدورِه بتحفيزَ عصبٍ ذو مهامَّ عديدةٍ، هوَ الأكبرُ والأَعقِدُ في جسم الإنسان، اسمه "العصب المُبْهَم" (Vagus Nerve). يُرسلُ العصب المُبهَم بدورِه إشاراتٍ عدَّة مفرزاً عشراتِ الهرمونات والوسائِط العصبيَّة كال "اسيتيل كولين" (Acetyl Choline) وال "هيستامين" (Histamine). يَنتجُ عن هذه العمليَّة المعقَّدة تَحفيزُ خلايا اسمُها "الخلايا الجدارية" (Parietal Cells) الّتي تَستوطِنُ قاعَ المَعدَة ومَدخلَها كَحارِسٍ انجليزيٍّ نبيل بيدِه أسرارُ المَمْلكة ومفاتيحَها، يَعتقدُ أنَّه الآمرُ الناهي، لكنَّه في الحقيقةِ يفعلُ ما يُؤمَر.. هو كيمائيٌ بارعٌ أيضًا، يخلطُ ويمزجُ ويطرحُ بإتقانٍ نحتاجُ كتباً ومجلّداتٍ لتعليمه.. بعدَ العملياتِ الكيميائية المعقَّدة، تُفرزُ الخلايا الجدارية الحمضَ المعدي (HCL) إلى داخل المعدة. يُحوُّلُ هذا الحمضُ الوسطَ المَعِدي إلى وسطٍ عالي الحُموضَة.. حيثُ تَنخفضُ Ph الوسطِ المَعدي من معدّل 5، في معدةٍ فارغةٍ ومن دون محفّز، إلى معدّل 2 تقريباً كنتيجةٍ لذلك المحفّز الطَّعامي السَّمعي أو البَصري أو حتى التَخيّلي. إِنقلابُ الوسطِ المعدي وازديادُ معدّلِ الحموضة يُطلقُ عاصِفَةً مِن الهُرمونات الأُخرى تَأتي مِن كلِّ حَدْبٍ وصَوْب، طَوائِف وتَراكيب ومَهام جُزئِيّة مُختلِفة.. كلُّها تَتَّحد تَحتَ رايةِ هدفٍ واحدْ.. هي تأهيل وتجهيز المعدة والجهاز الهضمي أَجْمع أنَّ هناكَ مُلتهماً على وَشك تَنغيصِ راحَتهم.. تَفتحُ المَعدَة مَدخَلها لاستقبالِ ما سَيسْتَطيبُه ذلك المُلتَهم.. وعلى حينِ غَفلَة، وبَينَما هُوَ جالسٌ باسترخاء يُقلّبُ بِهاتفه المحمول محاولاً تَجاهلَ خياراتِ الطّعام التي يَتراشَقُها أَصدِقاؤه.. يُلاحِظُ أنَّ لُعابَه قَد استَفاض ممّا يُصعِب عَليه تَصريفُه دونَ أَن يُلاحظَه أَصدقاؤه.. يُخفضُ رَأسَه ويدّعي الانشغالَ بهاتِفِهِ أَكثر.. تَفشَلُ محاولاته بالتظاهر وتَتطوّر استفاضَةُ الّلعابِ إلى جوعٍ حقيقيْ.. مائدَةُ الطّعام الآن جاهِزة، وكذلك هو المُفْتَرس..

تُغلقُ المَعدة مَخْرَجها بِعنايَةٍ لأربع ساعاتٍ قادِمة.. تَحرُصَ فيها على إِتمام مهمَّتها على أَتمّ وَجه.. تَنْتَهي الوَجبَة.. يَصرخُ أَحدُهم "لا تخاف إلا من اللي بقول مو جوعان".. يَضحَك الجميع.. تَمضي السّاعات الأَربع لتَستريحَ المعدةُ استراحةَ محاربٍ على أُهبَةِ الاسْتِعداد لمُباغتةٍ أُخرى..

تبدأُ أعراضُك كأعراضِ أي زكام آخر، بقليل من التعب والصداع والعطاس. غالباً، يحالفكَ الحظ وتزولُ أعراضُك خلال خمس أيام. لك...
22/01/2021

تبدأُ أعراضُك كأعراضِ أي زكام آخر، بقليل من التعب والصداع والعطاس. غالباً، يحالفكَ الحظ وتزولُ أعراضُك خلال خمس أيام. لكن، من كل 200 ممّن أصيبوا بهذا الزكام، هناك قصّةٌ مؤلمةٌ على وشك الحدوث. تستمرُّ الأعراض لمدّة أسبوع أو أكثر، ثم تزداد حدّة.. حرارةٌ تكاد لا تغادرك، آلامٌ وتشنجات عضليّة لا تُحتَمَل، للأسف.. القادم أسوء!
تُطلقُ أمراً حركياً لجسدِك المُنهك لتغادرَ سريرك، ربّما لكأسٍ من الماء، لكنّك تفشل. تَخذُلُك قدماك.. يطأطئ الطبيبُ رأسَه ليقولَ لك "آسف، أنت الآن مشلول". لن تنتهي الحكايةُ هنا.. ففي الساعاتِ القليلة القادمة، سيتوقّف حجابك الحاجز وعضلات صدرك عن تلقّي أيّ أوامر أيضاً. هذا يعني أنّه، وبالرغم من سلامةِ رئتيك، لن تستطيعَ التنفّس. لن يفيدُك الأكسجين بأنواعه، وستبدأُ بالاختناقِ تدريجياً.

أتحدَّثُ عن الإصابةِ بڤيروس شلل الأطفال.. الذي نكب العالمَ أجمع لعقودٍ طوال منذ بدايةِ انتشارِه في عام 1894، مروراً بذروة الإصابات في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وانتهاءاً بالقضاء على 99% من الحالات مع أوائل ال2000. عالمياً، كانت الحصيلة 600 ألف حالة شلل أو وفاة على الأقل سنوياً، بين العام 1940 و 1950 فقط. سبب الوفاة غالباً شللُ عضلات التنفّس. كانت الطريقةُ الوحيدة للحفاظ على حياة المصابين، هو جهازٌ أُطلقَ عليه "iron lung” أو الرئة الحديدية.. عبارة عن كبسولة يتم وضع المريض بداخلها بحيث تغلّفه كليّاً من رقبته وحتى أخمص قدميه، ما عدا الرأس. مبدأُها فيزيائيٌ بحت، وهدفُها توليد حركات ميكانيكية لتحاكي حركات الشهيق والزفير. تَعمَلُ من خلال صمام هواء يتم عن طريقه ضغط الهواء داخل الكبسولة محكمة الإغلاق حول جسد المريض، فيُتَرجمُ هذا الضغط إلى ضغطٍ على القفص الصدري للمريض، محفّزاً بذلك الزفير.. ثمَّ يتم سحب الضغط وتفريغ الهواء عن طريق نفس الصمّام فيتمدد القفص الصدري ويسبّب الشهيق. يُمكن لكَ تخيّل المنظر المريع للمستشفيات التي تضجُّ بأصوات صمّامات الهواء وعويل آلاف الأطفال ممن لم تتجاوز أعمارهم العاشرة فقط.

أمّا اليوم، فلا وجود ل"الرئة الحديدية" في مستشفياتنا. هي من نسج التاريخ، موجودةٌ في بعض المتاحف فقط. يُستَثنى من ذلك، المحامي الأمريكي الناجح Paul Alexander ذو ال75 عاماً، والذي أُصيبَ بشللِ الأطفال وهو بعمر الخامسة في عام 1952. Paul ما يزالُ حبيسَ جهاز "الرئة الحديدية" منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.. هو آخر مثالٍ حيّ لحقبةٍ زمنيّةٍ هي الأشدُّ قسْوَةً في تاريخ الطبّ الحديث.
ڤيروس شلل الأطفال كان مُعضلةً طبيةً حيّرت العقول ولوّعت النفوس على مدى سنين طوال. كان حلّ هذه المعضلة، لقاح.. والذي تم اكتشافه بعدَ إصابة Paul بوقتٍ قصير.

ها هو التاريخ يعيدُ نفسَه اليوم.. تختلف التسميات فيَحلُّ COVID19 محل Polio. تختلفُ فيزيولوجيا المرض بإصابة خلايا الرئة مباشرةً بدلاً من عضلات التنفّس. تتبدّلُ الرئة الحديديّة بمنافس صناعيّةٍ حديثة. يُثبتُ العلم جدارته، مرةً أخرى. لكن للأسف، يخرج البعض ليشكّك في اللقاح، وربّما في وجود المرض أصلاً.
لماذا ننسى بكلِّ هذه السّرعة؟ لماذا لا نتعلّم من تجاربنا ومن التاريخ؟ ولماذا لا نؤمن بالعلم ونحن ننعم بإنجازاته؟

18/01/2021

البدايات هي ما تجعلنا ننبض بالحياة. فهي غالباً ما تجد طريقها إلى مقرٍّ راسخٍ في دوافن نفوسنا، وتجدّد ألبوم حكاياتنا بقصصٍ نعيد زيارتها مراراً وتكراراً، لا نملُّ مشاركتها مع من تقاطع معنا دربه في الحياة.

أول يوم في المدرسة، بداية الحياة الجامعية، أول عمل، أول حب، بداية زواج، بعضها كانت بدايات ولحظات جميلة، وبعضها لم يكن.. لكنّ الغريب أن استرجاع هذه الذكريات لا يفشل في إجبارنا على الابتسام مهما كانت مفرحةً أم حزينة.. كأوّل مرّة يكسر فيها حبيبٌ قلبك في المدرسة.. تغدو الآن نكتةً لا تفشلُ في جعلك تبتسم.

أعتقد أنّ أسلوب الحياة المعاصر قد شوّه مضمون الحياة لدينا ، فنحن في بحثٍ مستمر عن "الاستقرار".. الاستقرار في عمل، الاستقرار في منزل، الاستقرار في بلد، وإلى ما هنالك من أنواع الاستقرار التي لا تنتهي. هل يجعلنا الاستقرار سعداء حقاً؟ أم أنّه يِسِم حياتنا بالملل والفتور؟ فما نفتأ أن نحقق استقراراً حتى نبدأ بالبحث عن استقرارٍ آخر.. قبل أن نتقاعس عن البحث بعد حين، فيما نسميه "التقاعد".

بالرغم من قدرتي المتواضعة على التخمين والتحليل، لكنّ هناك ما يقول لي أنّ قدرتنا المذهلة على تشويه الذكريات المحزنة لتصبح في معظمها مصدراً لزرع ابتسامة، وأن ذلك الملل الذي يصحَبُ ما نحقِّقُه من استقرار.. ما هي إلا وسيلةٌ لنفوسنا البشرية المفطورةِ على حبّ الحياة لتخبرنا بأنّنا لن نكون على قيدِ الحياة إذا خَلَتْ حياتنا من تجاربَ وبداياتٍ وذكرياتٍ جديدة! ليسَ من الغرابة إذاً أن المعمّرين ممّن لديهم أمراضُ فَقْد الذاكرة، غالباً ما تبدأُ أعراضُهم بفقد الذاكرة الحديثة، لتجاربَ يطغو على طابِعِها الاستقرارُ عادةً.. بينما تستمرُّ الذكرياتُ الأقدم ،والمليئةُ بتجاربِ البدايات، على قيد الحفظ والصَّوْن. رُبَّما لن أستغربَ أيضاً بأن يتمَّ إخبارَنا في يومٍ ما أنّ أسلوبَ الحياةِ الحديث من تقاعدٍ مُبكِّر ورفاهيةٍ مبتذلة وما يتلوه ذلك من روتين جافٍ من البدايات و الخبرات الجديدة هو سببٌ رئيسيٌ لأمراضِ فَقْد الذاكرة، وما تتبعه من أمراضٍ ومشاكلَ صحيّةٍ كثيرة. في النهاية، هو مجرّد تخمين وقد أكون على خطأٍ.. أو صوابْ!

28/12/2020

في أواخر التسعينيّات، كان دانييل شاباً في مُقتَبل
العمر عندما بدأت تراودُه فكرة الهجرة للغرب. موطنُه الأُم هو نيروبي-كينيا، حيثُ وُلِدَ وتَرعرَع وأصبحَ ربًّا لأسرةٍ صغيرة. لا أدري إن كانت فكرةُ الهجرة قد بدأت تُراودُه في ذلك الوقت بالتحديد، أم أنّها رافَقَتهُ طويلاً قبل أن بَدأَت تتجلّى حقيقةً حينَها! ليسَ تشكيكاً بما قالَه لي، لكنّ أمثالَنا.. ضامّاً نفسي، وغالباً إيّاكَ إن وافقتني الرأي، إليه.. نُولَدُ بحاسَّةٍ سادسة عادةً.. هي حاسّةُ "النّجاة". النّجاة في عالمٍ ثالثٍ وصفاً، أخيرٌ حقيقةً، النجاةُ لحوّاسنا الخمس، أن ننجوَ من جوعٍ، من ظلامٍ، من ظُلمٍ، من خوفٍ.. من اللاحياة!
بالفِعل، هاجر دانييل حينَها إلى بريطانيا، تاركاً وراءَهُ عائلتَهُ الصغيرة تُضمِّدُ جراحَ الشوق بجنيهات يرسِلُها إليهم شهرياً من عمله ك"شيف" في مطعمٍ في لندن.

دانييل اليوم عُمرُه ستّونَ عاماً، أبٌ لستّة، أكبَرُهم يرتاد الجامعة في نيروبي.. رفاهيَّةٌ كانَت صعبَةَ المنال في وقت دانييل. لم يزل يَعمَلُ في بريطانيا ليُرسِلَ المال لعائلته التي يزورها مرّةً على الأكثر كل عام.. كان صحيحَ الجسد كلّ تلك السنين، لم يزُر طبيباً، ولم يدخل مستشفى أو عيادةً من قبل.. حتّى حين!

راجَع دانييل الطبيب لأوّل مرّة منذ عدّة أسابيع، بشكوى ألمٍ بطني ولونٍ أصفرَ في عينيه. تحاليله أظهرت خللاً في خمائر الكبد وارتفاعٌ في خميرة البيليروبين، ذات اللون الأصفر. الأمر مقلقٌ بالتأكيد، وأصابعُ الاتهام كلُّها تشير إلى مشكلةٍ في المرارة!
خَضع دانييل للعديد من الفحوص والصور الشعاعية، أجمَعت كلَّها على وجود ورمٍ في المرارة أغلب الظن أنّه خبيث.. وفي مرحلةٍ مُتأخّرة!

سرطان المرارة! من أندر أنواع السرطان، وأشرسِها! نسبةُ حدوثِه لا تتجاوز ال1% في بريطانيا، وخطورتُه تكمنُ في صعوبة تشخيصه، الذي عادَةً لا يتم إلا بعد فوات الأوان.. أما نسبة النجاة، فهي أقل من 20% في أحسن الأحوال! لا أعلَمُ كيف استقبل دانييل هذا الخبر! لكنِّي قابَلتُهُ للمرَّة الأولى بعد عدّة أسابيع من التشخيص، متوسِّطُ ما كان قد بقي له في هذه الحياة ثلاثةُ أشهر.. مع العلاج! قابلني بابتسامةٍ بشوشة تعلو ثغره وتكاد لا تفارقه.. لا أعلم كيف لأحدٍ أن يملك هكذا شجاعة! يقول لي عندما سألتُه عن آخر مرّةٍ اجتمعَ فيها بعائلتِه: "منذ سنتين.. أودّ العودةَ وقضاءَ أيامي الأخيرة وسْطَ عائلتي، لكننّي لا أستطيع تحمّلَ نفقةِ العلاج.. المجانيّ في بريطانيا.. والمكلف في بلدي في حال عدت". لم أعلَم بماذا أُجيبُهُ.. لكنّي عَلِمتُ حينَها التّالي..
ولأنَّ "أمثالَنا" فقط يا صديقي، يُجبَرُ على الاختيار بين مَوتينِ، أحلاهُما مرُّ، كان لابدَّ لنا من حاسَّةٍ سادسة.. لتُعينَنا على النَّجاة!

تمّ لاحقاً إنشاء جمعيَّة خيريّة تمَّ التبرُّع من خلالها بمبلغٍ مالي يغطي تكاليف دانييل للسفر والعلاج في نيروبي وهو الآن محاطٌ بعائلته بانتظار ما هو محتّم!

16/11/2020

المعضلات الأخلاقيّة الطبيّة هي موضوعٌ شائك ومعقّد تختلف معطياته وحيثياته باختلاف البيئات والثقافات. قد يبدو التعامل مع هذه المعضلات للوهلة الأولى من الكماليات الطبيّة، لكنّها في الحقيقةِ محورٌ أساسيٌ في قلبِ الطّب وجزءٌ منه لا يتجزّأ.

القصّة اليوم وقعت في بدايات عملي كطبيب من عدة سنوات في بلدي الأم. تَبدَأُ أحداثها بمريضٍ متقدم في العمر، تم قبوله إلى أحد الطوابق بسبب نزيفٍ داخلي. كان المريضُ يعاني من عدّة أمراض وكان وضعه العام عند القبول سيءٌ جداً. كان من المتوقّع جداً أن توقّفَ القلب اللّاعودة منه في هذا المريض هي مسألة وقتٍ لا أكثر!

وبعد عدّة أيّام، وبالرغم من العلاج والرعاية، تحقّقَت المخاوف وتوقَّفَ قلبُ المريض! أسرعنا أنا وزملائي المناوبين في ذلك الحين لإنعاش المريض، حيثُ بدأنا بالاجراءات المعتادة للإنعاش القلبي الرئوي. كان بعض أفراد عائلته يشهدون الموقف المروّع عن بعد بترقّبٍ ورعبٍ وبكاءٍ وعويل. للأسف، وكما هو متوقعٌ أصلاً لأسبابٍ عدة، فشل إنعاش المريض! أسرَع أحد زملائي الأعلى منّي في التراتبيةِ الوظيفية إلى جهاز صدم القلب الكهربائي الذي نستخدمه في حالات محدودة جداً غير مستطبّة على الإطلاق في حالتنا هذه، ثم أخذ يطبقّه على المريض الميّت أصلاً! أراقب الموقف في دهشةٍ تجعلني أشكّك في ما قد علمتني إياه مراجعُ الطّب التي أسهرتني ليالٍ طوال! يطبّق زميلي بعض الصدمات الكهربائية، دون تغييرٍ للنتيجة طبعاً، قبل أن نخرجَ لنعلن الوفاةَ المؤسفة لعائلة المريض.

ما الذّي قد حدث للتو!؟ أترقّبُ أوّلَ فرصةٍ ملائمة لأسأل زميلي عن استطباب الصدمة الكهربائية في هذه الحالة، فحيرتي كادت تخنقني. يجيب عن تساؤلي لاحقاً: "والله ما في استطباب، بس إذا ما عملنا هيك بفكرو أهل المريض أنو ما أنعشنا صح.. هه متأثرين بالمسلسلات!"، معتزاً بدهائه وحنكته في التعامل مع الموقف! بدأ بعدها يحكي لي قصصاً لزملاءَ أطبّاء كان قد تمّ الاعتداء عليهم من قبل مرضى أو أهاليهم لاعتقادهم أن الطبيب لم يؤدِّ عمله على أتمّ وجه بحسب منظورهم هم! اللّوم بالطبع كان موجهاً لهؤلاء المرضى أو عائلاتهم حيث أنّ مستوى ثقافتهم العام ومستوى ثقافتهم الطبية بشكل خاص محدودٌ جداً، يؤمنون بخرافاتٍ وأوهام ليس لها أساسٌ علمي. لم تقنعنِ إجابة الزميل بإيقاع اللّوم كل اللّوم على مريضٍ أمِّيْ، لكنّي لم أمتلك الشجاعة والخبرة الكافية لأخوض في ذلك النقاش.

كان ذلك الموقف بمثابة معضلة أخلاقية بالنسبة لي ترسّخت أحداثه في ذاكرتي ولطالما زرته مراراً وتكراراً في أوقات سكوني، وحتى بعد اغترابي إلى المملكة المتحدة بحثاً له عن أجوبة.

سأعيد سرد القصة الآن بطريقة أخرى وسأترك للقارىء حلّ هذه المعضلة!

تم قبول مريضٍ متقدم بالعمر لديه عدة أمراض إلى أحد الطوابق بنزيف داخلي شديد. وضعُ المريض سيءٌ جداً ونسبة النجاة للأسف، ضئيلةٌ جداً. يَجمَعُ الطبيبُ عائلة المريض في غرفةٍ من الغرف، ثمّ يشرحُ لهم بالتفصيل ما يحدث، بلغةٍ مبسطّةٍ وكلماتٍ يسهل فهمها. يُخبِرُ الطبيبُ عائلةَ المريض بأننا سنبذل قصارى جهدنا لإنقاذِ المريض ولكن المشعرات الحالية غير مطمئنة، بل وخطيرة. يُكمِلُ الطبيب بإجراء اجتماعاتٍ يومية مع عائلةِ المريض ليُخبرُهم بالتطوّرات ولِيُجيبَ عن تساؤلاتهم. المريضُ يستمرُّ بالتدهور، توقُّفُ القلب وشيكٌ ربّما في الساعات أو بضع الأيامِ المقبلة. يجتمعُ الطبيبُ بعائلةِ المريضِ مرةً أخرى، يُبدي الطبيبُ قَلَقهُ وحزنهُ لتدهورِ المريض متعاطفاً ومتفهماً لمشاعر وسيكولوجية هذه العائلة في مصابها الأليم. يشرحُ الطبيبُ، مرةً أخرى بلغةٍ مبسّطةٍ تخلو من المصطلحات الطبيّة المعقّدة، ما يتمُّ عَملهُ في حال ِتوقّف القلب وعملية الإنعاش ونسبةُ نجاحها المحدود. يسألُ أفرادُ العائلةِ أسئلةً كثيرةً يجيبُها الطبيبُ برحابةِ صدرٍ وذكاءٍ عاطفي يؤهلُهُ لاستيعابِ ردّات الفعل المتوقّعة في حالةٍ كهذه.
يتوقف قلب المريض بعد وقت قصير من هذه المحادثة!

كيف ستكون ردّة فعل هذه العائلة هذه المرَّة!؟ هل ستعتدي على الطبيب لعدم استخدامه الصدمة الكهربائية غيرُ المستطبَّة!؟

08/10/2020

ستّةُ أسابيع قلَبتْ الموازين لأمٍّ أربعينيّةٍ تُفْني وقتَها ما بين عملِها كمُمرِّضة في المستشفى القريبِ لقريتها وما بين مسؤولياتِ الحياةِ يُلقيها عليها أبناؤها الثلاثة. ابنتُها الكبرى تُريدُ دراسةَ التمريض أيضاً، فأمّها بلا شك هي مثَلُها الأعلى في هذه الحياة.

كانت هذه الأسابيعُ الستّة كما يلي.

الأسبوع الأول:
تُخطِطُ الأمُّ لمفاجأةِ ابنتها الكبرى بشرائها لها سيارّة. هي لا تملُك المالَ الكافي بعد، فتَضعُ خطّةً ماليّة للأسابيع البضع المُقبِلَة حيثُ ستُضاعف عدد ساعاتِ عملِها. سَتكون الأسابيعُ المقبِلةُ شاقَّة، لكنَّها بِضعُ أسابيعَ فقط. الهدفُ يستحِقُّ هذه التَضْحِية.

الأسبوع الثاني:
تقضي الامُّ معظمَ وقتِها في العمَل. بالرغمِ من أنّه لم يمضِ سوى أسبوعٍ واحدٍ على الشروعِ بمخطّطها، فقد بدأَتْ تُحسُّ بالإرهاقِ والتَعب. "لا يَهُم!" ، غريزةُ الأُمومةِ تملِي عليها.

الأسبوع الثالث:
ساعاتُ العملِ في ازدياد، وكذلك هو الإرهاقُ والتعَب. صُداعٌ يؤرقّها، صعوبةٌ في التركيز. ربّما تَحتاجُ القليلَ من الرّاحة، لكنّ تَأبى.. المُهمّةُ أسْمى والنتيجَةُ ستُمحي كلَّ هذا التعب.

الأسبوع الرابع:
الصداعُ في تزايُد، يؤرّقُ ليلَها ونهارَها. تُقرّرُ زيارَةَ قِسمِ الطوارىء في نفس المستشفى الذي تَعملُ فيه. ضَغطُ عمل، توتّر، قلّةُ نومٍ وراحة.. أسبابٌ كفيلةٌ بأن تضني الجسد. يُرسِلُها الأطباء إلى المنزل بمسكّنات ألمٍ وتوصياتٍ بالراحةِ بعد فَحصٍ طبيعيْ.

الأسبوع الخامِس:
تُقرّرُ أن تخفّفَ ساعاتِ عملِها هذا الأسبوع، التزاماً بتعاليم الأطباء. خسارةُ معرَكةٍ لا تعني خسارَةُ الحرب.. تَصميمُها على الهدف مازال قائماً.

الأسبوع السادس:
مازال الصّداعُ في تزايد. تطورّت أعراضٌ أخرى، غَثيانٌ وإقياءٌ مُستمِر، الرؤيَةُ تغيّرت حدّتُها، الوضعُ لَم يَعُد يُحتَمَل. تزور قسم الطوارىء مرّة أخرى. تَطوّرُ الأعراض يَبعثُ القلق لدى الأطباء، استطبابُ التصوير الطبقي المحوري للرأس واجِب.

المفاجأة!؟

وَرَمٌ دماغيٌ كبير، هي نتيجةُ التصوير الطبقي! انفتاقُ الدماغِ المميت وشيكُ الحدوثِ في أيّ لحظة. للأسف، المصيرُ محتومٌ في غضون أيامٍ أو ربّما أسابيع.. والعلاجُ الوحيد هو تلطيفيٌّ بتسكينِ الأعراض فقط لِترحلَ المريضةُ الآن، الممرّضة منذ بِضع أسابيع بأقلّ معاناةٍ مُمكِنة..

باءَت خِطّة الأمّ بشراءِ السيارةِ لابنتها بالفَشَل.. كان جزاءُ تضحيتها لأبنائها بأَن أَمضَت أسابيعها وأيامّها الأخيرة منهمكةً في العَمل بعيدةً عنهم، ويكون مكان عملِها هو آخرُ مكانٍ زارته.. لكن؛ لكُلِّ قضاءٍ حِكمة!

06/09/2020

هَل تَعلَم أنّ معدّل الانتحار العالمي الحالي هو شخصٌ واحدٌ كلّ 40 ثانية!؟ أيْ أنّ هنالك على الأقل، شخصٌ واحد سوف يرحلُ بإرادته ومن صنع يده من هذا العالم بمجرد الانتهاء من قراءة هذا البوست!

طبيعةُ عملِ طبّ الطوارئ تفرضُ على الطبيبِ الممارس أن يكون ملماً بالتعامل مع محاولات الانتحار وحيثياتها. ومن أشيعِ طرقِ الانتحار الحديث هي تناولُ جرعاتٍ زائدةٍ من أدويةٍ أو سمومٍ معينة، ربما ظناً من المقدمين عليها بأنها الطريقةُ الأسرع والأقل إيلاماً، جاهلين بأنها على العكس تماماً.

مريضتي هذه المرّة هي أمٌّ ذات مستوى تعليمي ومادي متوسط، تعيش مع ابنتها المراهقة، وحيدتها. يبدو أن الحياة كانت قد أثقلت همومها عليها، فزهدت بنفسها وبابنتها مقرّرَةً الرحيل.

هل جرّبت أن تقف على حافة منحدرٍ صخري لتتأمّل الطبيعة الساحرة أو تأخذ بعض الصور التذكارية؟ يوسوس لك صوت “اقفز!"، تُوازنُ الأمرَ بعقلك وتكتشف حماقة الفكرة سريعاً فتتجاهلها وتعود لتستمتع بالطبيعة. عادةً، نحن لا نعبّر عما قد جال بخاطرنا في تلك اللحظة وننجحُ في تجاهلِ الفكرة كلياً وكأنّ شيئاً لم يكن. للأسَف، الأمر مختلفٌ في حالة الشخص غير الصحيحِ نفسياً!

فبعدَ جدلٍ عقيمٍ بين مريضتي وذلك الوسواس الخناس، حسمت أَمرَها وتناولت جرعاتٍ مفرطةٍ من دواء الضغط (Amlodipine) ومضاد الإقياء (Metoclopramide). ظنّت أنّ هذه الأدوية سترسلها في نومٍ عميق وسلامٍ أبدي. الحقيقةُ أنّها كانت على سريرِ الطوارئ بعد ساعتين فقط، لمعاناتها من غثيانٍ وإقياء شديدين وآلامٍ وتشنجات عضلية مبرحة. وضعيتها على السرير تعكسُ شدّة تشنجاتها العضلية، وكأنّ كلّ ليفٍ عضليّ في جسدها يشتعل غضباً من فعلتها، ضغطها منخفض جداً، نبضها سريع، وعيها شبه مغيم.
جرعاتها المفرطة كانت قد سببت هبوطاً شديداً في الضغط، اضطرابات خطيرة في نظم القلب، و اضطرابٌ عضليّ حاد.

تمّ تدبيرُ المريضةِ إسعافياً بتسريبِ أملاح الكالسيوم ومضادات كولنرجية وريدياً لعكس مفعولِ الجرعة السامّة التي تناولتها. استمرّت أعراضها ما يقارب ال12 ساعة بالرغم من العلاج، كانت هي الأسوء في حياتها في حدّ تعبيرها لاحقاً. لحسنِ الحظ، نجَت المريضةُ من موتٍ محتّم وتم تحويلها بعدها للتقييم من قبل أخصائيي الطب النفسّي.

11/08/2020

تشخيص الموت سريرياً يتحقق بغياب النبض والتنفس والمنعكسات الدماغية، حيث يتم تأكيد وجودها من عدمه بعد فحص سريري مدته من خمس إلى عشر دقائق تبعاً لآخر التوصيات الطبية.

يبدأ الفحص السريري عادةً بجسّ نبض الشريان السباتي في الرقبة تتلوه دقيقتان لإصغاءِ أصوات القلب، وثلاثةٌ لإصغاءِ أصواتِ التنفس. يتبعهم أخيراً، تحري منعكس حدقة العين للضوء. بالطبع، قبل الشروع بكل ذلك، عليك التأكد من هوية الميت فلا تُمِت من هو حي عن طريق الخطأ.. هو نذيرُ شؤمٍ عند الكثير، رغم أنه أحياناً يكون "انكتبلك عمر جديد!" عند آخرين.

ما لا تذكره الكتب عن التشخيص السريري للموت هو كم هي ثقيلةٌ تلك الدقائق، حيث لحواسك الخمس القرارُ الأخير في تأكيد حادثةِ الموت. تقتربُ من ذلك الجسد الشاحب، تريدُ الشروعَ في الفحص، هو ميتٌ من النظرة الأولى، لكن أملاً عقيماً في أن تجد بصيصَ حياةٍ ينتابُكَ بحماسةٍ حمقاء غير مبرّرة.

تبدأ بجسّ النبض، لا شيء.. تحاولُ المناورة بأصابعك إلى اليمين واليسار، أيضاً لا شيء.. تضغط أكثر في محاولةٍ أخرى بائسة، "لحظة! أشعرُ بنبضٍ خفيف! لم يَمُت بعد!" طبعاً، سرعان ما يتحطم إيمانُك الوشيك بالمعجزات بعد إدراكك بأنّ ما حدث كان إحساسُك بِنبضك أنت من فرط محاولتك للضغط، لكنّه خُيّلَ لك غير ذلك! إذاً، النتيجة لا نبض! تنتقلُ لتَفحص أصواتَ القلب والتنفّس لمدّة خمس دقائق بسمّاعةٍ تلقيها على صدر باردٍ جامدٍ لا يَتحرّك.. تنهي الدقيقة الأولى من دون أيّ مؤشّرٍ إيجابي للحياة.. يُجبرُك الأملُ الذي بات يتلاشى الآن على أن تفقُد ما كنت قد بدأتَ به من حماسَة، فيأخذك ذلك الجسد الذي لا حول له ولا قوّة في رحلة خاطفةٍ مع ذاتك.. ماذا يشعر الميت؟ هل يستنجدني لأنقذه، أم يرقد في سباتٍ عميق؟ هل الموت مؤلم؟ ماذا يحدث بعد الموت؟ كيف وأين ومتى سأموت؟ تسألُ فقط ولا تجيب.. يقاطعُك بريقٌ من الأمل سببه صوتٌ أشبه ما يكون بصوت تنفّس! أنتَ لا تَملُّ التفاؤل مرّة أخرى بالرغم من خذلانك الأخير قبل دقائق! أأسف أن أقول لك أنّ انزلاق السمّاعة قليلاً على صدر المريض بسبب عدم تركيزك هو ما أحدث ذلك الحفيف.."ركّز!"
تنتهي تلك الدقائق بنتيجةٍ أنت الآن أكثرُ واقعيةً بالتعامل معها.

تَنتقل لآخر جزءٍ من ذلك الفحص الذي كاد لا ينتهي: فحص العين، مرآة الروح والقلوب، كما يصفها ابن القيّم.. وصفٌ تُدركُ دقّته اللامتناهية منذ اللحظة الأولى التي تبدأ فيها الفحص.. تنظر في عينيه.. هي مرآةٌ للعدم، فقدَت بريقَها المعتاد وسحرَها الفريد ورونقَها الصارخ بالحياة، هي لا تخبرك بشيء الآن مهما حاولتَ جاهداً أن تستنطقها أو تستنبط منها أي شيء.. حينها فقط، تتأكدُ بما لا مجال فيه للشك على الإطلاق من تشخيصك للموت.. فذلك الجسدُ يخلو من قلبٍ ينبض ومن روح تُنعِش، هو شيء.. لم يَعُد أحداً بعد الآن.

01/08/2020

كان يوماً اعتيادياً في العمل.. ازدحامٌ معتاد، الطقس سيء، لقاءٌ أخيرٌ مع روحٍ قد غادرت للتوّ في القسم أ، ولقاءٌ أول مع فرد عائلةٍ جديد في القسم ب.
تعرّفتُ اليوم إلى زميلةٍ انجليزيةٍ جديدة نتشارك سويةً أعباءَ العمل الذي يجمعنا هواه. نتبادل أحاديث التعارف المعتادة عندما تتيح لنا الفرصة لكوبٍ سريعٍ من الشاي في منتصف المناوبة.

تسألني زميلتي: "أين هو الوطن بالنسبةِ لك؟" تنهّدت مفكراً، ثم أجبت إجابةً فلسفيةً عميقة تلائم عمق وأبعاد هذا السؤال.. أدركتُ حماقتي لاحقاً عندما علمتُ أنها لم تكن تعنِ بسؤالها طرح موضوعٍ فلسفيٍّ عميق أو معرفة رأيي بماهية الوطن.. كان هدفها أن تسألني ببساطة "من وين حضرتك؟"، سؤال بسيط نسأله في بلادنا كل يوم دون تفكير..

لمَ لمْ تسألنِ السؤال المعتاد المباشر!؟ هي تعرف أن اسمي وملامحي ولكنتي توحي بأنّي غريبٌ قادمٌ من مكانٍ بعيد.. لعلّها أحسّت أنّ السؤال المباشر في موقفٍ كهذا تأكيدٌ للحقيقةِ الجليّةِ التّي نعرفُها كلانا بأنني غريبٌ لا أنتمي إلى هذا المكان وما قد يَتبعُه هذا التوكيد المبطن وغير الضروري أبداً من عدم ارتياحٍ أو إحراجٍ يهدُمُ مُحاولاتي البائسة للبحثِ عن وطنٍ في المغترب.

أُنهي مناوبتي لذلك اليوم وأعود أدراجي مشياً على الأقدام، أُفضّل المشي عندما تنتابني الأفكار والذكريات.. بالتحديد، ذكرى منذ حوالي 15 عاماً.. اعتدنا كل صيفٍ أن نسافرَ في سيارتنا الخاصّة يقودها أبي من بلد إقامتنا في الكويت إلى بلدي الأم اللاذقيّة في سوريا.. حدثَ في هذه الرحلة أن توقّفنا لنأخذ استراحتنا الأخيرة في إحدى المدن السوريّة قبل أن نصل إلى منزل جدّي، حيث ينتظرنا صيفٌ مليءٌ باللعب والسهر.. أنزلُ من السيّارة لأمشي قليلاً، الطقس جميلٌ جداً.. أُقابلُ رجلاً عشوائياً يُرحبُ بي ثم يسأل: "شو عمّو راجعين عالبلد كأنو.. من وين أنتو؟" أجبته بخجل: "اللّاذقية".. مشدداً على النطق العربي الصحيح لكل حرفٍ كما تعلَّمنا في المدرسة. يناورُني العم بسؤالٍ آخر "تقصد اللازقي (كما تُلفظُ في الرّيف عادةً) ولا اللادئية (كما تُلفظُ في المدينة)".. لم أُجب.. حيث أنني لم أفهم السؤال وقتها! عُدت بأدراجي لأسأل أبي عن معنى العم.. فاكتفى بابتسامةٍ ملؤها الحزن وقال: "يلّا عالسيارة تأخرنا!"

*ملاحظة: كلتا الحادثتين لا تُعمم على شعب من الشعوب.. العبرةُ من القصّة أرقى وأسمى من حدود دول.

في عام 1876، أَذْهلَ المُخترع الاسكتلندي غراهام بيل العالَم بأوّل نموذَج تطبيقي ناجح للهاتف كأوّل وسيلةٍ للتواصلِ البشري...
28/07/2020

في عام 1876، أَذْهلَ المُخترع الاسكتلندي غراهام بيل العالَم بأوّل نموذَج تطبيقي ناجح للهاتف كأوّل وسيلةٍ للتواصلِ البشريّ الصوتيّ عن بعد. ومَع بدايات الثلاثينيّات من القرنِ الماضي، أصبحَ الهاتفُ القديم ذو لوحة الأرقام المستديرة متوفرًا في أغلبِ منازلِ العائلات البريطانية ذوات الدخل الميسور، ولبَقيّة الشعبِ البريطاني عن طريقِ كابينات الهواتف العامّة.

جميعُ الاتصالات الهاتفية كانت تتمُّ عن طريق البريد المركزي كوسيلةِ وصلٍ بين طرفي الاتصال.. تَرفعُ سمّاعة الهاتف، تَضغط على الرقم صفر، يحوّلُك أوتوماتيكياً للبريد المركزي، تَنتظر دوْرك حتى يردّ موظّف البريد، تَطلب منه جهة الاتصال المرجوّة.. استمتع بالمحادثة! نفس التسلسل ينطبق أيضاً عند الاتصال بخدمات الطوارئ.

في يناير 1936، شهِدَت لندن حريقاً في منزلٍ أوْدى بحياةِ خمس نساء، بعد أن باءَت المحاولات بالفشل للاتصال بخدمات الطوارئ، حيث لم يسعفهم انتظارُ موظّف البريد لتحويلهم.
أدرَكَت الحكومة البريطانية خطورَة الموقف، فعَقدت اجتماعاً طارئاً لإيجادِ حلٍ يتيحُ الاتصال بخدمات الطوارئ دون الحاجةِ للانتظار المميت.

كان الاقتراحُ الأمثل هو بإيجاد رقم ثلاثيّ الخانة ينوّه البريد المركزي بإشارةٍ خاصةٍ مفادها "المتصل لديه حالة طوارئ، الرجاء إعطاء الأولوية". أيضاً، كان على الرقم الذي سيتم اختياره أن يحقق معيارين مهمّين: أولاً، أن يكون الرقم سهلَ الحفظ يسهل تذكرّه في وقتٍ قد تخون فيه الذاكرة الكثيرين. ثانياً، أن تكون الأرقام طرفيةً على لوحة الهاتف المستديرة فيكون من السهل إيجادها إذا كان المتصل فاقدًا للبصر أو إذا كانت الرؤية غيرَ واضحةٍ من أثر دخان الحرائق.

الرقم (000) لا يمكن اختياره، حيث أن الصفر الأول سيفعل الاتصال العادي عبر البريد المركزي. أما الرقم (111)، لم يتم اختياره لمخاوف بأنه قد يسبب الكثير من الاتصالات الخاطئة من غير قصدٍ بسبب الأطفال أو احتكاك الكابلات ببعضها أو ما شابه. الرقم (222) كان قد تم حجزه مسبقاً لتحويل المكالمات إلى البريد المحلي بدلاً من المركزي.

وبعد البحث، كان (999) هو الرقم الأنسب في تحقيقِ معايير النجاح المفروضة، حيث تم تبنيه رسمياً في بريطانيا منذ العام 1937 كرقمٍ مباشرٍ لخدمات الطوارئ، وهو أول رقمٍ مباشرٍ للطوارئ في العالم.

بالرغم من أن حادثةَ حريق 1936 كانت الأولى من نوعها، فقد كانت كافيةً لتُلفِت العقول نحو إدراك المشكلة وابتكار حلٍ لها. إن أسلوبَ التفكير المنهجي والتعلّم عن طريق التجربة حتى في أبسطِ الأمور هو ما يميزّ الأمم ويضمن استمراريتها وتقدمها. أمرٌ تَستفقدُه اليوم أمة "المؤمن لا يُلدغُ من جحرٍ مرتين".

24/07/2020

هي مناوبتي الليلية الأولى بعد أن دقّت الحكومة البريطانية ناقوس الحرب على "كورونا".. هذا الكائن الدقيق غير الحي الذي قسم الشعوب والدول إلى قسمين: أولٌ يؤمن بالعلم، وثانٍ يؤمن بالسحر..
متوجهٌ إلى قسم الطوارئ بهدوء، لا أحبُّ التفكير بأمورٍ خارجةٍ عن نطاق قدرتي على التغيير.. يمرّ الوقت بهدوء حتى منتصف الليل.

مريضٌ خمسينيّ العمر، صحيح البنية والجسد، رياضي، غير مدخّن وغير كحولي.. مسحته لتحري "كورونا" كانت قد أثبتت إيجابيتها منذ عدّة أيام فلازم منزله لخفّة أعراضه عملاً بتعاليم الأطباء.. لكن الليلةَ الأمر مختلف.. أراقبه من آخر الرواق يُسرَع به إلى قسم الطوارئ بهيئة محاربٍ أنهكته حربٌ جموح.. يتصبّب منه العرق بغزارة، ملابسه كلها مبتلة، يلهث أنفاسه مغلقاً عينيه وسط زمير جهاز الأكسجة، يريد التركيز في معركة موتٍ أو حياة هو بطلها وضحيتها في آنٍ واحد، قفصه الصدري في سرعةٍ خياليةٍ ما بين تمددٍ وانكماش.. كل هذا وهو مزوّد بأقصى درجةٍ ممكنةٍ من الأكسجين عبر قناع الأكسجة.

بِضع دقائق من التقييم السريري كانت كافيةً لتشخيص فشل تنفسي نمط أول.. هو يحتاجُ إلى جهاز تنفسٍ اصطناعيٍّ الآن!
استطباب جهاز التنفس الاصطناعي في هذه الحالة أشبه ما يمكن أن يكون للباراشوت.. لِنفترض أنك قرّرت كسر الروتين وتجربة قفز الباراشوت من علوٍ شاهق.. أنت جاهزٌ الآن، تستجمع قواك ثم تقفز.. الرجوع بعد أن قفزتَ مستحيلٌ والهبوط ما منه محال.. تهبط بسرعة 250 كم/ثانية.. لا تستطيع أن ترى بوضوح أين ستهبط فالارتفاع ما زال شاهقاً.. القرار الذي سيحدد مصير هذه التجربة هو متى تفتح الباراشوت، إن فتحته باكراً سحبتك الرّيح إلى مكانٍ بعيدٍ عن المكان المفترض لهبوطك.. وإن تأخّرت كان هبوطك سقوطاً مدوياً.. عليكَ أن تجد الوقت المثالي لأخذ هذا القرار ليكون هبوطك ناجحاً.

أُخبر مريضي المحارب: "يؤسفني أن أقول لك أننّا سنحتاج لأن نقبلك في وحدة العناية المشددة.. سنعطيك بعض الأدوية التي ستضعك في نوم عميق ثم نصلك إلى جهاز التنفس الاصطناعي عبر أنبوب يدخل إلى مجرى التنفس" يفتح عينيه للمرّة الأولى منذ وصوله "لكن ماذا إن لم أصحُ من نومي العميق هذا!؟ لم أودّع زوجتي وأولادي قبل القدوم!" للأسف، جواب هكذا سؤال لا تعلمنا إياه كليّات الطب حول العالم كله.. أجيبه بصمتْ مستخدماً ما أمكنني استخدامه من لغة الجسد، المشاعر أسمى من أن تفيها اللغة حقها أحياناً.. يقاطع صمتي قائلاً "هلّا جلبت لي الهاتفَ من فضلك.. أريد أن أتصل بزوجتي وأولادي قبل أن أنام"

أمضى المريض أكثر من 60 يوماً في العناية المشدّدة.. تم فطامه عن جهاز التنفس بعدها بنجاح ليمضى 30 يوماً أخر في المعالجة الفيزيائية وإعادة التأهيل، وما زالت رحلة التعافي ساريةً حتى اليوم..

22/07/2020

الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الاثنين، أَصِل إلى مكان عملي الجديد للأسابيع الستة المقبلة في "وحدة الاحتشاءات الدماغية"، أصل مبكراً نصف ساعة قبل بدء الدوام الرسمي.. لم أنم جيداً الليلة الماضية على كل حال.. كعادتي الطفولية قبيل البدايات.. أيضاً، أنا أتطلع لتعلّم الكثير من العلوم حول مرضٍ أقصى ما نستطيع أن نقدم له في بلادي عادةً هو الدعاء والشفقة!

لم أكن أتوقع وصول أحدٍ قبلي، ربما عامل النظافة أو بعض موظفات الاستقبال فقط. فكما هو الفهم العام الغالب في بلادي، وقت بداية الدوام الفعلي لفلان يتناسب مع مرتبته في السلم الوظيفي - التناسب عكسيّ، يتأخّر الأول بتقدم الثاني!

"مرحباً!“ رجلٌ أربعيني العمر حسن الهندام مبتسماً يستقبلني لحظة وصولي.. “لابد أنك أسامة!“ متبعاً.. من أنت يا سيدي وكيف لك أن تعرف من أكون؟! محدثاً نفسي.. “أنا فلان، استشاري الاحتشاءات الدماغية" معرفاً عن نفسه ملحقاً لقبه باسمه لا العكس.. كان قد أنهى المرور الصباحي على المرضى بمفرده والدوام الرسمي لم يبدأ بعد.. عرَّفني على القسم سريعاً ثم استسمحني الغياب لدقائق بينما تركني أجلس وحدي خلف المكتب متخبطاً بأفكاري مما قد حدث للتوّ..

يخترق الصمت وصول زملائي في العمل وبقية الطاقم الطبي في تمام الساعة الثامنة صباحاً.. نتبادل السلام والتعارف.. دقائق أخرى وإذ بصديقي الجديد "الاستشاري" عائداً إلى القسم حاملاً كوبين من القهوة.. قدم أحدهما لي مبتسماً ثم قال للجميع “لنبدأ الاجتماع الصباحي“!

بعكس ما كنت أتطلع إليه.. لم أتعلم الكثير عن الاحتشاءات الدماغية في ذلك اليوم، أو ربما في ذلك الأسبوع بأكمله.. فذلك الصباح كان درساً ثقيلاً في أخلاقيات العمل يفوق ما قد يتحمله استيعابي المتواضع!

Address

Oxford

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Dr. Osama Akrama posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share

Share on Facebook Share on Twitter Share on LinkedIn
Share on Pinterest Share on Reddit Share via Email
Share on WhatsApp Share on Instagram Share on Telegram

Category