04/02/2026
44– فندق السعادة …
الثلاثاء 2 / 9 / 1969
في الصباح سرت أحمل كيس نومي الأزرق في حقيبته الانيقة عائداً إلى دار الشباب في باريس‥ تسللت إلى غرفة المصري (فتحي) فوضعت كيس النوم بخفة في غرفته‥ كان (فتحي) قد استيقظ‥ فنزلنا سوية إلى مطعم الدار.. حَيثُ تناولنا الفطور سوية رغم انني كنت خائفاً هذه المرة لأنني لم أعد من سكنة الدار منذُ اليوم، ولا أملك الحق في الحصول على وجبة الفطور المجانية المتكونة من الخبز والزبدة والمربى والقهوة! ‥ وجلست أتناول طعامي وأنا أنظر بين فترة وأخرى إلى وجوه المسؤولين عن الدار إن كانوا انتبهوا لي ام لا‥ لكن يبدو ان المسألة مرت بسلام ولم ينتبه لنا أحد …
بعد الفطور صعدنا سوية إلى غرفة (فتحي) وتفرجت على اللمسات الأولى في لوحته الجديدة … كما جائت بصحبتنا المراهقة الجميلة الألمانية (كارين) كي ترى اللوحة‥ ودخلت الغرفة وأخذت أشرح لها معالم اللوحة وأبعادها الفنية‥ كما لو كنت خبيراً باللوحات‥ مع اني لا افقه في الفن شيئاً! لكن جمالها الساحر جعلني أغرد!!
انتبهت إلى شاب طويل القامة أشقر من السكان الجدد للدار كان يرمقني بنظرات حادة طوال الوقت الذي كانت فيه (كارين) في الغرفة‥ وما ان خرجت (كارين) حَتى جاء نحوي‥ وهو يقول غاضباً‥ بلهجة شبه عسكرية:
« أنا مدرّس الماني في مدرسة هذه الطالبة‥ ارجو ان تعلم انه لايجوز ان تأتي بنت طالبة إلى غرفة شباب عزاب‥ فهذا مخالف للتعليمات! » ثُمَّ استمر يتكلم بلهجة كرهتها كما لو اننا اغتصبنا تلك الفتاة! ‥ كانت لهجته بقسوة وصرامة النازيين.. اتباع (هتلر)! ‥
تركت (فتحي) وأخذت طريقي إلى القنصلية الاسبانية … وصلتها في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً … كانت تعج بالسواح المتجمهرين الراغبين بأخذ التاشيرة‥ بصعوبة تمكنت من شق طريقي إلى قرب مكتب الجوازات، هناك كانت مجموعة من الشباب والشابات ذوي البشرة السمراء الذين يشبهون لون بشرتي‥ سألوني بالإنكليزية:
(من أين أنت)
قلت (من العراق)
ابتسم أحدهم قائلاً (أما نحن … فمن إسرائيل!)
قال لي أحدهم بود « أراغب أنت بالذهاب إلى إسبانيا؟ »
أجبت (نعم‥ جئت لطلب التأشيرة)
قال لي (هل معك صور؟)
قلت (كلا!)
قال « إذاً‥ لاتتعب نفسك! ‥ اجلب صورتين شخصيتين مع مبلغ سبعة وثلاثين فرنك قبل دخولك »
نظرت إليهم … كانوا جميعاً يحملون معهم صوراً قد التقطوها تواً … فهي لا تزال مبللة‥ وقدموها إلى الضابط المسؤول‥ كانت صوري في دار الشباب‥ في جيب حقيبتي المودعة في غرفة (فتحي)! ‥ وطريق العودة سوف يستغرق نصف ساعة‥ اللعنة! … اليوم أيضاً لن أتمكن من إكمال التأشيرة وللاسف! ‥ كل هذا بسبب استهانتي بالوقت وعدم حرصي على المجئ باكراً‥ اخذت أعنف نفسي! ‥ عدت خائباً جلست تحت قاعدة قوس النصر انتظر لحين يتوقف المطر الذي بدأ يهطل بشدة منذُ ساعتين‥ حينما توقف المطر ذهبت عبر الشانزيليزيه و مررت بإحدى المكتبات‥ استرعت انتباهي الجرائد الفرنسية جميعها تحمل صوراً لأحد الضباط العسكريين وهناك كتابة بالخط العريض‥ ليبيا‥ اخذت احاول ان افك رموز الكلمات الفرنسية المكتوبة‥ وفهمت المضمون‥ انه خبر انقلاب عسكري في ليبيا!‥ إقالة الملك السنوسي‥ وليبيا تعلن نفسها جمهورية‥! عدت عبر الشانزليزيه وأنا في أشد حالات السعادة وأكاد ارقص بفرط فرحي بالثورة!‥ اخيراً انهار الحصن العتيق للملك الليبي العجوز (السنوسي) ‥ وانضمت ليبيا إلى البلاد العربية المتحررة! ‥ اخيراً يتنفس البلد الميت‥ وتعود له الحياة! ‥
عبرت ميدان الـ (كونكورد) وذهبت إلى حدائق الـ (تويليريز) ‥ كان هناك مجموعات من الشباب والشابات السواح وقسم منهم من الفرنسيين‥ وكان هناك سوق عجيب غريب‥ يباع فيه جميع ما خلق الله من الأحياء ابتداءً من الخنفساء والصراصير والحرباء والأفاعي والاسماك والطيور والضفادع الكلاب و القطط والسلاحف و القرود والأرانب والفئران! والناس مكتظة حولها تشتري منها ما تريد ..
أهم الأسواق وأكثرها رواجاً هي محلات بيع الحيوانات وترى الناس داخلين وخارجين وقد اشترى أحدهم قطاً والآخر كلباً والثالث سمكةً‥ حب الأوروبيين للحيوانات كبير إلى درجة أنك قد ترى تظاهرة ناس حول أحد زوايا الشارع وقد وقفت قطة في الزاوية‥ والجميع يقف وينظر إليها بحب وإشفاق! هؤلاء الناس هم أنفسهم الذين يبيدون الزنوج في أفريقيا بالقنابل والرصاص والدبابات‥ هؤلاء أنفسهم الذين ذبحوا مليون نسمة من الجزائريين والملايين من بقية الشعوب‥ انني اعجب لعاطفتهم تجاه الحيوانات ووحشيتهم تجاه إخوانهم من البشر! ‥
كان الوقت بعد الغروب عندما وصلت الدار فوجدت (فتحي) والتونسي‥ تشاركت معهم في كلفة شراء الطعام حَيثُ اعد لنا (فتحي) وجبة طعام ممتازة‥ ان المسؤولين في الدار يسمحون لـ (فتحي) فقط وبشكل استثنائي بفتح المطبخ والمطعم العائد للدار واستعمال جميع ادواته‥ وهو امر ممنوع حَتى لابناء بلدهم! ‥ كم هو محبوب هذا الـ (فتحي)!.
جلست مع (فتحي) بعد العشاء نتسامر‥ بدأ الشاب الذي يعمل في الدار كأحد المسؤولين ولم اكن اعرف اسمه، بدأ بالعزف على الجيتار واشترك معه (لويس) وهو مسؤول آخر.. بترديد الاغاني للألحان التي يعزفها‥ طلبت منهما اغنية (لابامبا) المكسيكية المحببة إلى (خوزيه) صديقي الذي افتقده كثيراً‥ وبدأوا يعزفونها‥ آه كم هي اغنية رائعة! ‥
في حوالي الثامنة مساءً حملت (كيس النوم) وودعت (فتحي) واتجهت صوب الضفة الثانية من (بون ماغي) مروراً امام (نوتردام)، ثُمَّ كورنيش الـ (سين)، حَيثُ كانت سيارة الحافلة المهجورة‥ فالآن الثامنة مساءً ولا يزال الوقت مبكراً‥ وربما سأجد محلاً فارغاً في الحافلة ذات الطابقين التي بت فيها البارحة‥ ما إن قطعت نصف المسافة إلى الحافلة حَتى التقيت باثنين من الهيبيين اليافعين الذين يبدو عليهما انهما اصغر مني عمراً، كانا قادمين من ناحية الحافلة‥ بادراني بالقول:
« لاتتعب نفسك! ‥ الحافلة مكتظة بالبشر‥ لايمكن ان تجد لك متنفساً بينهم! »
سألت (إذاً ما العمل؟)
قالا « تعال معنا‥ نحن نعرف مكاناً آخر! »
تمشيت معهما كثيراً باتجاه جنوب (باريس)، حَيثُ مررنا بالحي اللاتيني ثُمَّ ولجنا مناطق لا اعرف اسمها، كان واضحاً انهما يسيران باتجاه معلوم، إلى مكان يعرفانه جيداً، فلم اتعب نفسي بسؤالهما عن اتجاهنا‥ وانما سرت معهما دون ان اعرف‥ فما دام الهدف هو الحصول على المبيت الليلة فهو امر لابأس به أينمَا كان‥!
وصلنا إلى بناية قديمة محترقة‥ تحتوي على سبعة طوابق، وهي محترقة تماماً بحَيثُ أنها قد هدمتها معاول الإطفاء وسّد بابها بالانقاض والحجارة، وبعد محاولات تمكنا من الدخول إليها من أحد الشبابيك، كان (ماريو) وهو إيطالي الجنسية يملك علبة كبريت تنير لنا طريقنا في داخل البناية المهدمة المظلمة‥ بعد تجول فيها عثرنا على السلم وارتقينا‥ فتشنا الطوابق طابقاً طابقاً … كان قسم من الغرف مهدم تماماً ويطل على هاوية سحيقة! ‥ كنا نتلمس طريقنا بحذر شديد وقد التصق أحدنا بالآخر بخوف وحذر‥ كنا نبحث عن غرفة صالحة كمأوى للنوم هذه الليلة الباردة وأخيرا عثرنا على ضالتنا في الطابق الخامس، كانت هناك غرفة لم يهدمها الحريق أو معاول الإطفاء، صالحة للمبيت، ويبدو أنها قد استعملت عن قريب لغرض مثل غرضنا من قبل جماعة آخرين‥ وضعنا حاجياتنا على الأرض، كان الآخران يحملان حقائب الظهر، أما أنا فأحمل (كيس النوم) وقمنا بجمع بعض الورق والأخشاب المتبقية من الحريق و أوقدنا ناراً كبيرة، كي نتمكن من رؤية ما في الغرفة‥ وشعرنا بالكثير من الراحة والاطمئنان والدفء، فعلى الأقل لن تأتي افعى من تحت الانقاض، ولن يهجم علينا البرد، ‥ ودخل كل منا في (كيس النوم) العائد له وأغلقه عليه بواسطة الـ (سحاّب)، ثُمَّ نمنا وانا خائف ان تمتد إلينا النار فتحرقنا!