01/05/2026
صفحة من كتابي (خمس سنوات في بريطانيا) ارجو ان تروق لكم..
ليدز -نيسان- ١٩٨١
٣٣- ومن شر حاسد اذا حسد
في نهاية عام ١٩٨١ مرضت ابنتي فجأة وأخذت صحتها تتردى بإنتظام وببطء, مما سبب لي و لوالدتها قلقاً شديداً.
ابتدأت حالتها عندما لاحظت زوجتي ظهور فقاعات مائية قرب العينين, وأخذت تلك الفقاعات بالتزايد في جميع أنحاء الوجه, ومعها قلقنا ازداد.. ثم صار رعباً حقيقياً عندما أخذت الفقاعات تظهر في داخل الفم مما تمنعها من بلع حتى لعابها الذي صار يسيل بكثرة خارج فمها!.
النظام الصحي في بريطانيا يمنع الطبيب منعاً باتاً من القيام بعلاج عائلته المقربة (زوجته او أطفاله) حيث انه -وبسبب ارتباطه العاطفي بهم- فقد يسرف في علاجهم أو على العكس, قد يتهاون في معالجتهم, فهو مجبر بموجب القانون والأخلاق الطبية, على إرسال عائلته المقربة إلى (طبيب الأسرة) الذي تم تسجيل عائلته عنده.. ويترك واجب معالجتهم لذلك الطبيب.
نحن وبسبب موقع سكننا فقد تم تسجيلنا مع طبيب إنجليزي أشقر, لست اذكر اسمه! كان تسجيلنا تلقائياً بحسب الرقعة الجغرافية، ولم أكن قد التقيت به. .
كتبت له رسالة أرسلتها بيد زوجتي عند اصطحابها لابنتي المريضة لعيادته، وقد شرحت في رسالتي بالتفصيل ما تعانيه ابنتي وعن احتمال كونها مصابة بأحد الأمراض المناعية المهمة، ورجوته الإهتمام بها واعتبارها حالة مستعجلة.
عادت زوجتي ممتعضة من إهماله حيث انه لم يكلف خاطره بقراءة الرسالة و لم يعتن بفحص طفلتي وإنما أعطاها بعض المسكنات البسيطة وصرفها!..
بعد أن تدهورت حالتها, كتبت له ثانية متوسلاً شارحاً (صعوبة عملي و خفاراتي في المستشفى التي كانت بين يوم وآخر, حيث لم تدع لي وقتاً للذهاب مع ابنتي الى طبيب الأسرة), ثم كتبت له رسالة أخرى حملتها له زوجتي و استعطفته ورجوته بالاهتمام بحالة ابنتي, وتحويلها إن أمكن الى أحد الأطباء الاختصاصيين بالأمراض الجلدية المناعية!.
للمرة الثانية والثالثة عادت زوجتي من عيادته وهي محبطة واخبرتني عن أسلوبه السابق نفسه بعدم الإكتراث لفحص ابنتي وعدم سماع قصتها ورمي الرسالة جانباً دون أن يكلف خاطره بقراءتها حيث فحصها على عجل و كتب لها بعض أدوية الزكام!
وصلت حالة ابنتي لمرحلة حرجة فقد ملأت الفقاعات وجهها الجميل و فمها و بلعومها ولسانها وصارت غير قادرة على شرب الماء, أو بلع لعابها الذي كان يسيل بإستمرار من فمها, وتوقفت عن تناول الطعام والشراب كلياً وأوشكت على الهلاك!.
عندها أخذت زمام المبادرة واخذتها على عجل الى (طوارئ) المستشفى العام في ليدز LGI وقد قام الكادر الطبي بإسعافها بشكل عاجل, ثم قاموا بالاتصال فوراً والحصول على إحالة مستعجلة للطبيب الاختصاص في المستشفى التعليمي في ليدز.
تم اخذ عينات من الجلد وفحصها وتشخيص حالتها وتبين اصابتها بنوع من الأمراض المناعية النادرة, وتمّ احالتها الى طبيبة اختصاصية بهذه الأمراض, تعمل في مدينة أخرى هي (شفيلد) التي تبعد عن (ليدز) نحو ستين كيلومتراً وهي الطبيبة (كرستين هارينغتون) المتخصصة ب(أمراض الجلد المناعية) عند الأطفال.
في اليوم التالي كنت قد اخبرت الطبيب الاختصاصي الذي أعمل عنده د(سلطان), واخذت اجازة طارئة من عملي وذهبت انا وزوجتي الى مدينة (شفيلد),
بعد فحصها تم ادخال ابنتي المستشفى وقد بقيت راقدة فيه بضعة أيام كانت تحقن فيها بجرع عالية جداً بالوريد من (الكورتيزون) فضلاً عن أدوية (مثبطة للمناعة), بعد أن أوشكت على الموت!
قامت المستشفى بإسكان زوجتي في الفندق المجاور للمستشفى (على نفقة الدولة!), لعدم السماح بمرافقة الأطفال المرضى خارج أوقات الزيارة الرسمية!.
تماثلت ابنتي للشفاء تدريجياً وتم إخراجها من المستشفى وقامت الطبيبة الاختصاصية بكتابة رسالة مفصلة عن مرض ابنتي.. ارسلتها الى (طبيب الاسرة) طالبة منه تزويدنا ب(حبوب الكورتيزون) بإنتظام لأنها قد تحتاج للبقاء عليها لمدة سنة او اكثر, ثم اخرجت ابنتي من المستشفى وزودتني المستشفى بأدوية تكفي لعلاج ابنتي لبضع أيام فقط.
بعد نفاد الكمية التي معي من حبوب الكورتيزون, رفضت زوجتي زيارة عيادة (طبيب الأسرة) (الانكليزي الأشقر) بعد ما لاقته منه من اللامبالاة التي عرضت حياة ابنتي إلى الخطر!.
ذهبت هذه المرة لعيادته بنفسي, لم يكن في إنتظار عيادته اي اجنبي سواي, فكل مرضاه من الإنجليز الشقر معظمهم من العجائز الأنجليزيات!.
سألتني السكرتيرة عن طلبي, اخبرتها انني (طبيب) زميل له، اسمي الدكتور فلان وأنني جئت لأخذ وصفة مكررة لل(كورتيزون) بموجب الرسالة التي وصلته من طبيبتنا في (شفيلد).
انتظرت في العيادة لأكثر من ساعة وكررت اخبار السكرتيرة أنني لم آت للفحص وإنما للحصول على وصفة (الكورتيزون) لأبنتي المريضة وحسب الرسالة التي وصلته من طبيبتنا الإختصاصية. بعد إلحاح أدخلتني على الطبيب وقرأ رسالة الاختصاصية.. ثم رفع رأسه قال لي وبالأسلوب الإنجليزي المتعجرف:
"آسف! لايمكنني ان اعطيك الوصفة!, اجلب لي ابنتك هنا كي افحصها"
ولما كنت اصلاً متحاملاً على هذا الطبيب الأشقر الكريه, صحت في وجهه:
"حتى لو جلبت لك ابنتي… فأنت لن تفهم! لا بتشخص مرضها! ولا بعلاجها!, لقد جلبتها أمها مرتين لك! وفي المرتين لم تقم بواجبك بفحصها كما يفترض! ولم تكلف خاطرك حتى بقراءة رسائلي المتكررة لك بشأن خطورة حالتها, حتى اوشكت ابنتي على الموت".
كانت نبرة الغضب التي تصدر مني قد ازدادت حدتها ووصلت الى درجة الصياح في وجه ذلك الطبيب, قفزت النسوة العجائز الشقراوات للدفاع عن طبيبهن! وعلا الهرج والمرج!, ثم غادرت العيادة ومضيت وتمكنت من الحصول على الحبوب وبانتظام من عيادة الطوارئ التابعة للمستشفى! لحين قيامنا بنقل (سجل عائلتنا الطبي) وبشكل عاجل, من هذا الطبيب إلى عيادة طبيبة شابة (هندية) في المنطقة نفسها (بموجب نصيحة من بعض الزملاء) والتي صارت طبيبتنا طوال مدّة وجودنا في بريطانيا!.
بعكس ذلك الطبيب الإنجليزي الكريه، فقد كانت (الطبيبة الهندية) التي سجلنا عندها رائعة تماماً وصارت كلما تتصل بها زوجتي عندما يصاب أطفالي بحمى او سعال او برد , فأنها كانت تقول لزوجتي:
"لا داع أن تكلفّي نفسك بالمجئ الى العيادة, أنا سوف أزورك بسيارتي بعد إنتهاء دوامي! اشرحيلي الأعراض وسوف أجلب معي الأدوية التي قد نحتاجها"!,
صارت صديقة لزوجتي وقدمت لنا (خدمة خمس نجوم) حيث كانت تأتي بنفسها لبيتنا في كل مرة احتجنا لها!
ولحد الآن لا أدري إن كان (الطبيب الإنجليزي) قد كتب عني (تقريراً سيئاً) الى الطبيبة الهندية مما جعلها تحسب لي (الف حساب) خشية حصول إهمال أو تقصير في فحص اطفالي!, وبالتالي قد تنال من التقريع ما ناله مني ذلك (الشخص الكريه)!
او إنها كانت تتصرف بما تحمله من تربية صالحة وطيبة نفس وحسن خلق..
(الصورة توضيحية وليست لأبنتي)