05/01/2026
من خلال عملي في العيادات العامة، وفي أماكن مختلفة من المملكة، تتكرر أمامي قصص لسيدات يحملن أعباءً لا يراها كثيرون، ولا تُقال غالباً بصوتٍ عالٍ. معاناة صامتة، لكنها حاضرة في كثير من الأحيان، وتظهر في تفاصيل صغيرة لا تخطئها العين لمن اعتاد الإصغاء.
إحداهن تعاني من مرضٍ واضح، لكنها تعاني أكثر من إنكار زوجها. لا يعترف بمرضها، ويصفها بالمتطلبة لمجرد أنها تطلب مبلغاً بسيطاً لمراجعة طبيب في مستشفى حكومي. هنا لا يؤلمها المرض بقدر ما تؤلمها كرامتها، حين تُجبر على تبرير حقها في العلاج.
وأخرى أمّ لأطفال يعانون من أمراض أو إعاقات مختلفة. الأب موجود بالاسم فقط؛ لا متابعة، ولا مسؤولية، ولا حضور في رحلة علاج طويلة ومرهقة. تتحول الأم إلى ممرضة، وسائقة، ووصية، وأحياناً مصدر دخل، وتخوض هذه المعركة وحدها.
وسيدات تزوجن زواج أقارب، فرُزقن بأطفال يعانون من أمراض وراثية مُرهِقة، منقولة بالجينات المتنحية. ورغم أن المسؤولية مشتركة طبياً وإنسانياً، إلا أن اللوم غالباً ما يُلقى كله على الأم. فتحمل عبء المرض، وعبء الرعاية، وعبء نظرة المجتمع، وكأنها وحدها السبب.
وهناك سيدات يأتين بآلام نفسية واضحة؛ قلق، اكتئاب، إرهاق شديد، وعدم تركيز. لكن الشكوى تختصر بجملة واحدة: “ما أنا قادرة أتحمل أكثر.” وللأسف، لا تُعامَل الصحة النفسية كمرض، بل كضعف، فتتضاعف المعاناة في صمت.
هذه الكلمات ليست دعوة لجلد المجتمع أو التقليل منه، بل دعوة للفهم، والعدل، وتحمل المسؤولية المشتركة. فالنماذج الإيجابية في مجتمعنا كثيرة، والرجال -الرجال- والآباء الداعمون حاضرون بقوة، ولا يمكن إنكار ذلك. لكن الحديث عن هذه الملاحظات ليس تعميماً للخطأ، بل تنبيه للغافل عن مسؤوليته، وتذكير بأن الإهمال إذا سُكِت عنه اتسعت دائرته، ودُفع ثمنه من صحة الناس وكرامتهم.
أرجو أن يُتفهم هذا الطرح في هذا المنشور، فقد ترددت كثيراً قبل نقله. فتسليط الضوء على هذه القصص ليس بحثاً عن لوم أو إدانة، بل محاولة للفهم والتصحيح. فالصمت أحياناً يُطيل المعاناة، بينما الكلمة الواعية قد تمنع تكرارها، وتُعيد التوازن قبل أن تتجذر المشكلة.
محمد حسان الذنيبات
استشاري أمراض وزراعة الكلى وضغط الدم