26/03/2026
زراعة كلى استباقية في ليلة القدر ...
خلال الاسبوع الماضي أجرينا -وبالتعاون مع الزميل جراح المسالك و الزراعة د محمد الدرادكة- عملية زراعة كلى و تزامن خروج المريض من غرفة العمليات مع ليلة القدر، وكان لافتاً -نبهتني المنرضة معي في العيادة- أن يكون هذا ثالث مريض على التوالي يحمل اسم أحمد وتُكلل زراعته بالنجاح بفضل الله. رافقنا المريض خلال أيام العيد الأولى و هذه المصادفات اللطيفة لا تغيّر من جوهر القضية الطبية أن الزراعة، عند تحضير المريض جيداً و اختيار المتبرع الأمثل بعناية و بقاعدة ثابتة لا ضر و لا ضرار بحيث نفيد المريض دون أن نضر المتبرع هو الخيار العلاجي الأمثل لمرضى القصور الكلوي النهائي وفق أفضل الأدلة المتاحة.
تأخرت زراعة هذا المريض عدة أشهر بسبب مضاعفات مؤسفة، كان أبرزها الجلطات الدماغية، ما استدعى التريث حتى استقرار حالته وفق الأصول الطبية. وبعد انقضاء المدة اللازمة، ومع الظروف الإقليمية واحتمالية تعطل السفر أو إغلاق المطارات، كان لا بد من تسريع القرار، إذ إن كل تأخير إضافي يحمل معه خطر حدوث مضاعفات جديدة قد تُفقدنا فرصة الزراعة. وكان الهدف واضحًا: اقتناص فرصة الزراعة الاستباقية قبل الدخول في مرحلة الغسيل الكلوي.
من منظور الطب المبني على الدليل (EBM)، تُظهر الدراسات الرصدية الكبيرة والتحليلات التلوية أن زراعة الكلى ترتبط بانخفاض ملحوظ في معدلات الوفاة مقارنة بالغسيل الكلوي. كما أن التحسن في نوعية الحياة ومُثبت عبر أدوات قياس معتمدة، حيث يستعيد المرضى نشاطهم، ويتحسن النوم والمزاج، وتقل الأعباء العلاجية المرتبطة بجلسات الغسيل المتكررة والقيود اليومية و تتحسن الوظائف الجنسية و الخصوبة و اللياقة البدنية وكثير من الاشياء الاخرى التي تتأثر بالفشل الكلوي و الغسيل .
الزراعة الاستباقية قبل بدء الغسيل تُعد الخيار الأفضل متى ما كانت ممكنة، إذ ترتبط بتحسن بقاء الكلية المزروعة وتقليل المضاعفات القلبية والالتهابية المرتبطة بالغسيل. وتشير الأدلة إلى أن تقليل مدة القصور الكلوي النهائي-خصوصًا إذا كانت أقل من 6 أشهر- يساهم في نتائج أفضل، وهو ما يعكس أهمية التوقيت المبكر واتخاذ القرار العلاجي في الوقت المناسب.
ورغم ذلك، يبقى النجاح مرهوناً بعوامل أساسية تشمل الاستقرار الطبي للمريض، خصوصاً في وجود مضاعفات مثل الجلطات الدماغية، إضافة إلى دقة اختيار المتبرع وتحقيق أفضل توافق ممكن. وبينما تحمل الزراعة مخاطر تتعلق بالمناعة والعدوى، فإن محصلة الفائدة تميل لصالحها بشكل واضح. وفي النهاية، تبقى الأعمار بيد الله، لكن حسن الأخذ بالأسباب المبنية على الدليل هو ما يصنع الفارق في النتائج.
د محمد حسان الذنيبات
استشاري أمراض و زراعة الكلى و ضغط الدم