05/01/2026
إدمان القلق
يبدو القلق في ظاهره حالة نفسية مزعجة نسعى جميعًا للتخلص
منها، لكن المفارقة أن بعض الناس لا يشعرون بالحياة إلا وهم قلقون. فإذا غاب القلق، شعروا بفراغ داخلي، أو توتر غير مبرر، أو خوف مبهم من أن “شيئًا سيئًا سيحدث”.
هنا لا يعود القلق مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى نمط حياة… إلى ما يمكن تسميته إدمان القلق.
ما هو إدمان القلق؟
إدمان القلق ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، لكنه توصيف لحالة نفسية يتعوّد فيها الجهاز العصبي على مستويات مرتفعة من التوتر والتنبيه. يصبح القلق مألوفًا، متوقعًا، بل ومريحًا على نحو غير واعٍ، لأن غيابه يعني الدخول إلى مساحة داخلية غير معروفة يشعر فيها الإنسان بفقدان السيطرة.
كيف يتحول القلق إلى إدمان؟
🔹 البرمجة المبكرة:
كثيرون نشأوا في بيئات يسودها التوتر، الخوف، النقد، أو غياب الأمان العاطفي. فيتعلم الدماغ منذ الطفولة أن القلق هو الحالة الطبيعية للحياة.
🔹 الدماغ يفضل المألوف لا المريح:
الجهاز العصبي لا يبحث دائمًا عن الراحة، بل عن الاعتياد. ومع تكرار القلق لسنوات، يصبح هو “الوضع الافتراضي”، بينما يبدو الهدوء مقلقًا لأنه غير مألوف.
🔹 وهم السيطرة:
القلق يمنح شعورًا زائفًا بالتحكم:
«إذا قلقت بما يكفي، سأمنع الأسوأ»
فيتحول القلق من عبء إلى أداة دفاع نفسي.
🔹 الإدمان الكيميائي:
القلق المزمن يرافقه إفراز الأدرينالين والكورتيزول. ومع الوقت، يعتاد الجسد على هذه الهرمونات، وعند انخفاضها يشعر الشخص بتوتر يدفعه – دون وعي – لإعادة إنتاج القلق.
كيف يظهر إدمان القلق في الحياة اليومية؟
التفكير المفرط في كل التفاصيل
تضخيم المشكلات أو خلقها دون قصد
عدم الارتياح في فترات الهدوء
الانتقال من قلق إلى آخر دون توقف
الخوف من الفرح وكأنه مقدمة لخسارة قادمة
لماذا يصعب التخلي عن القلق؟
لأن التخلي عنه يعني مواجهة أسئلة وجودية عميقة:
من أكون بدون توتر؟
كيف أعيش دون مراقبة مستمرة لكل شيء؟
هل أستحق الطمأنينة فعلًا؟
وأحيانًا يكون القلق أهون من مواجهة هذه الأسئلة.
هل يمكن التحرر من إدمان القلق؟
نعم، لكن ليس بمحاربة القلق أو إنكاره، بل عبر:
إعادة تدريب الجهاز العصبي على الإحساس بالأمان
فهم الجذور النفسية للقلق بدل الاكتفاء بإخماد أعراضه
تعلّم استقبال الهدوء دون ترقب أو شعور بالذنب
العلاج النفسي الذي يركز على تنظيم المشاعر وبناء الأمان الداخلي.
التحرر من إدمان القلق هو استعادة الحق في حياة أهدأ… وأكثر حضورًاً
د. هدى المقبل
أخصائية نفسية