31/03/2026
كيف تؤثر أخبار الحرب اليومية على جهازك العصبي دون أن تشعر؟
تخيل أن جسدك يعيش في حالة إنذار طوال اليوم، دون أن تكون في خطر حقيقي.
ليس الخطر دائمًا فيما يحدث حولك، بل فيما يتكرر أمامك كل ساعة، حتى يتحول إلى عبء داخلي صامت.
قد لا تكون في ساحة حرب، لكن هاتفك قد يضعك داخلها لحظة بلحظة، عبر تنبيهات لا تتوقف، صور صادمة، مقاطع قاسية، وتحليلات لا تنتهي. ومع كل خبر جديد، يبدأ جسدك برد فعل لا إرادي… أنت لا تلاحظه، لكنه يحدث بدقة داخل جهازك العصبي.
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الجهاز العصبي لا يميز بين الواقع والشاشة. بالنسبة له، الصورة المزعجة إنذار، والصوت العالي إنذار، وملامح الخوف إنذار. لذلك، كل مرة تتعرض فيها لمشهد صادم، يتعامل جسمك وكأنك في خطر مباشر، ويشغّل نظام الطوارئ دون استئذان.
داخل الجسم، تتسارع نبضات القلب، ترتفع هرمونات التوتر، تتوتر العضلات، ويصبح التنفس أسرع، وكأنك تستعد لمواجهة تهديد حقيقي. هذه آلية ذكية للبقاء، لكنها تتحول إلى استنزاف عندما تتكرر يوميًا بلا توقف.
وهنا يبدأ التحول الأخطر، الذي لا ينتبه إليه الكثيرون. الجسم لا يعود بسهولة إلى وضع الهدوء، بل يدخل في حالة تأهب مستمرة، وكأن الإنذار لم يُطفأ أبدًا. في هذه المرحلة تبدأ الأعراض بالظهور بشكل تدريجي: اضطراب النوم، قلق مستمر، تفكير زائد، شعور بثقل داخلي، وتوتر بلا سبب واضح.
المشكلة ليست في متابعة الأخبار نفسها، بل في الكثافة والدوام. عندما تتحول المتابعة إلى عادة لا تنقطع، وتحديث مستمر لكل حدث، ومشاهدة لكل مشهد صادم، يصبح الدماغ تحت ضغط يفوق قدرته الطبيعية. العقل البشري لم يُصمم ليعيش هذا الكم من الصدمات يوميًا.
والسؤال المهم هنا: هل المشكلة في الأخبار… أم في عدم وجود لحظات صمت بينها؟
عقلك يحتاج إلى الهدوء كما يحتاج جسدك إلى النوم. يحتاج إلى مساحات بلا أخبار، بلا تحليلات، بلا صور قاسية. هذه المساحات ليست هروبًا من الواقع، بل إعادة توازن ضرورية للجهاز العصبي حتى لا ينهك بالكامل.
جرب هذا التغيير البسيط، وقد تلاحظ أثره بسرعة. حدّد وقتًا واضحًا لمتابعة الأخبار مرة أو مرتين يوميًا فقط، وخارج هذا الوقت ابتعد تمامًا عن أي محتوى مرتبط بالحرب أو التوتر. بعد أيام قليلة، ستلاحظ انخفاضًا في مستوى القلق، ليس لأن العالم تغيّر، بل لأن جهازك العصبي خرج من حالة الإنذار المستمر.
في زمن الأزمات، الوعي مهم، لكن الأهم هو وعيك بحدود نفسك. ليس كل ما يصل إليك يجب أن يبقى داخلك. وأحيانًا، أقوى قرار تتخذه هو أن تختار ما لا تسمح له أن يستهلكك.
د. وليد أبو دهن