17/01/2026
منقول
لماذا يحب العوام الطبيب النصاب؟
ج / لأن الإنسان البسيط لا يذهب للطبيب بحثًا عن التشخيص أكثر من بحثه عن الطمأنينة.
والفرق بين الاثنين هو المسافة بين العلم والنفس البشرية.
الطبيب النصاب يعرف ذلك جيدًا، قد لا يملك علمًا، لكنه يملك ما هو أخطر:
القدرة على تهدئة الخوف.
هو لا يقول «لا أعلم»، ولا يطلب فحوصات، ولا يعترف بالحدود.
يقدّم يقينًا سريعًا، واليقين سلعة نادرة في مجتمع منهك.
أما الطبيب الصادق، فيتكلم بلغة الاحتمال، والاحتمال في وعي العامة ضعف لا أمانة.
حين يقول الطبيب: «نحتاج وقتًا»، يسمع المريض: «الدكتور مش فاهم».
وحين يقول النصّاب: «بسيطة»، يسمع: «الدكتور شاطر».
المجتمعات العربية شفهيّ بطبعه؛
يصدق الحكاية أكثر من الدليل،
ويثق في التجربة المنقولة أكثر من البحث المكتوب.
لذلك ينتصر من يقول: «جالي ألف حالة زيك» على من يقول: «الدراسات بتقول».
ثم هناك سبب أعمق:
النصاب لا يُحمّل المريض مسؤولية،
بينما الطبيب الحقيقي يفعل.
الأول يبرّئ النفس، والثاني يواجهها بنمط حياتها وإهمالها.
والناس بطبعها تميل لمن يريح ضميرها لا من يوقظه. وفوق هذا كله، النصاب لا يذكر المضاعفات، التبعات، كون المرض مزمن.
والطبيب الصادق يلمّح إليها ولو بحذر.
ومن يذكّرك بما تهرب منه، لا يُحَب.
العامة لا تحب النصّاب لأنه أفضل، بل لأنه أرحم في نظرها، حتى لو كانت رحمته وهمًا.
أما الطبيب الصادق، فمشكلته ليست في علمه، بل في أن المجتمع لم يتعلّم بعد
كيف يتحمّل الحقيقة دون أن ينهار..
لذلك أرى يقينًا أن من كمال علم الطبيب، رحمته بتهدئة القلق، ودرايته بطبيعة مرضى بيئته، حتى لا يوقعه في فخ الطبيب النصاب.
منقووول