25/03/2026
#قصص #من #الواقع:
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً، لكن بالنسبة لـ "يوسف"، الممرض في قسم العناية المركزة، كان الزمن قد توقف منذ منتصف الليل. بعد مناوبة ليلية قاسية شهدت ثلاث حالات إنعاش قلبي، جلس في قاعة الممرضين يفرك مؤخرة عنقه المتصلبة. أمام فنجان قهوة بارد، فتح حاسوبه المحمول ليحدق في شاشة مضيئة تحمل عنواناً يبدو في هذه اللحظة وكأنه سخرية قدرية: "بروتوكول مراجعة منهجية (PROSPERO): تأثير جودة حياة العمل على جودة الرعاية الصحية".
ابتسم يوسف بمرارة لاذعة. كيف يكتب عن "جودة حياة العمل" وظهره يكاد ينقسم من نقل المرضى، وعقله مستنزف لدرجة أنه نسي تقريباً شكل النوم الطبيعي؟
أغلق الحاسوب بقوة خفيفة، وحمل حقيبته مغادراً المستشفى. طوال الطريق، كان يحاول استحضار ما تبقى لديه من طاقة مصطنعة. لقد وعد ابنه الصغير بالأمس أنه سيلعب معه مباراة كرة قدم في بهو المنزل فور عودته، وتخيل فرحة الصغير وهو يركض خلف الكرة بقميص فريقه المفضل.
بمجرد أن أدار المفتاح في باب المنزل، سمع صوت خطوات صغيرة تركض نحوه. رمى الصغير نفسه في أحضان والده حاملاً كرته، وعيناه تلمعان بحماس الانتظار. في المطبخ، كانت زوجته "زينب" تجهز الفطور، تبدو عليها هي الأخرى ملامح الإرهاق الصامت من تدبير شؤون البيت والطفل وحدها خلال غيابه الطويل.
"جيتي أ بابا! يلاه نلعبو!" صرخ الصغير.
حاول يوسف. رمى حقيبته، رسم ابتسامة واسعة تخفي خلفها جبلاً من التعب، وبدأ يداعب ابنه بالكرة. لكن بعد دقائق معدودة، خانه جسده تماماً. شعر بدوار حاد، وتثاقلت أنفاسه وكأن جاذبية الأرض تضاعفت. جلس على الأريكة يلهث، وسند رأسه الثقيل بين يديه.
خرجت زينب من المطبخ، أدركت الموقف بنظرة واحدة. التقطت الكرة بلطف من يد الصغير، ومسحت على رأسه قائلة بحنان ممزوج بغصة: "يلاه أبطلي، نخليو بابا يرتاح شوية، راه عيان بزاف من الخدمة، وبغا ينعس باش يكمل قرايتو من بعد".
نظرة الخيبة السريعة في عيني ابنه، رغم محاولته الطفولية للتفهم، كانت كشفرة جراحية تمزق قلب يوسف من الداخل. التفتت إليه زينب ووضعت يدها على كتفه، لم تقل شيئاً، لكن لمستها كانت تحمل كل المواساة والعتب الصامت في آن واحد.
في غرفة النوم، استلقى يوسف بملابس العمل. كان التعب الجسدي يطحنه، لكن الضجيج في رأسه كان أعلى وأقسى. شعور خانق بالذنب والتقصير يعتصر صدره؛ تقصير تجاه مرضاه الذين يتطلبون يقظة لا تقبل الخطأ، وتقصير تجاه "زينب" التي تتحمل فراغ غيابه، وتقصير تجاه طفله الذي يرى والده دائماً إما غائباً أو "متعباً". وفوق كل هذا، طموحه الأكاديمي وبحثه الذي يراهن عليه لمستقبل أفضل، والذي تحول إلى عبء إضافي يسرق ما تبقى من لحظات راحته.
أغمض عينيه، وانسلت دمعة ساخنة من زاوية عينه مسحتها وسادة باردة. تساءلت روحه المنهكة في صمت الغرفة: متى ينتهي هذا السباق؟ وكيف يمكن لمن يهب الرعاية والشفاء للآخرين، أن يكون هو الأكثر حاجة لمن يرمم شروخ حياته؟
نام يوسف وهو يعلم أن المنبه سيرن بعد ساعات قليلة، ليعيد الكرّة من جديد، متشبثاً فقط بحبه لعائلته، وبأمل مرهق في غدٍ قد يعيد ترتيب أولويات هذه الحياة.
#ممرضون #أبطال