12/04/2026
لم تعد حوادث الانتحار في عصرنا مجرد مأساة فردية تُطوى في صمت، بل تحولت في بعض الحالات إلى مشاهد علنية تُبث مباشرة أمام أعين المتابعين، وكأن الألم الإنساني بات يبحث عن جمهور قبل أن يبحث عن نجاة؛ إن حوادث الانتحار تفرض علينا—خصوصًا نحن العاملين في الحقل التربوي والنفسي—أن نتوقف بعمق أمام هذه الظاهرة المركبة، لا لنرصدها فحسب، بل لنفهم دوافعها، ونحلل أبعادها، ونبحث عن سبل علمية وإنسانية للحد منها.
من منظور علم النفس الإكلينيكي، فإن السلوك الانتحاري لا ينشأ فجأة، بل هو نتاج تراكمي لما يُعرف بـ"الضيق النفسي الحاد" (Acute Psychological Distress)، حيث يشعر الفرد بانسداد الأفق، وفقدان المعنى، وانهيار منظومة الدعم الاجتماعي، وقد أشارت العديد من الدراسات والبحوث السابقة إلى أن الأفكار الانتحارية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاكتئاب، واضطرابات القلق، والصدمات النفسية، والشعور بالعزلة، لكن الجديد في الظاهرة التي نحن بصددها هو عنصر "العرض العلني"، أي تحويل الفعل الانتحاري إلى رسالة مُشاهدة.
هذا السلوك يمكن تفسيره في ضوء ما يُعرف بنظرية "النداء الأخير" (Cry for Help)، حيث لا يكون الهدف الأساسي الموت بقدر ما يكون التعبير الصارخ عن الألم، والرغبة في أن يُرى هذا الألم ويُعترف به؛ ويتحول البث المباشر هنا إلى منصة اعتراف، وربما إلى محاولة أخيرة للسيطرة على مشاعر الفوضى الداخلية عبر إخراجها إلى العلن، غير أن هذا الفعل يحمل أيضًا خطورة كبيرة، إذ يسهم في تطبيع السلوك الانتحاري، ويخلق ما يسمى في الأدبيات النفسية بـ"تأثير العدوى" (Su***de Contagion)، حيث يؤدي التعرض المتكرر لمشاهد الانتحار إلى زيادة احتمالية تقليده، خاصة بين الفئات الهشة نفسيًا.
إن نقد هذا السلوك لا يعني إدانة الضحية، بل رفض تحويل الألم إلى محتوى، ورفض أن يصبح الموت وسيلة للتواصل؛ ففتح بث مباشر أثناء الانتحار لا يُعد فقط تعبيرًا عن معاناة، بل يحمل في طياته أذى مضاعفًا للمتلقين، خاصة الأطفال والمراهقين، ويُدخل المجتمع في حالة من التبلد العاطفي أو الفضول المرضي، ويظهر هنا خلل مزدوج: خلل في الوعي الفردي، وخلل في البيئة الرقمية التي تسمح بمثل هذا المحتوى دون تدخل فوري
د . رودينا خيري