04/04/2026
تعبت.
هذه هي الكلمة الصحيحة.
لا “أشعر ببعض الإرهاق”، ولا “الأمور صعبة قليلاً”.
تعبت. فقط.
أعرف هذا النوع من التعب.
جلس أمامي كثيرون يحملونه.
عيونهم طبيعية، وكلامهم منطقي، وضحكتهم في محلها أحياناً.
لكن ثمة شيئاً ما .. خلف كل ذلك .. قد أُطفئ.
لا تسألني كيف أعرف.
أعرف فقط.
في البداية كانت الروح تركض مع كل شيء.
مع الصورة، ومع القصف، ومع التحليل، ومع الخبر العاجل الذي يُلقى في وجهك قبل أن تكمل قهوتك.
كان الألم حقيقياً، ونظيفاً، وكاملاً.
كنت تبكي وتعرف لماذا تبكي.
كنت تغضب وتعرف على من تغضب.
كانت المشاعر لها عناوين.
ثم جاء يوم، لا تذكر متى بالضبط.
صارت الأخبار تصلك كما تصل فاتورة الكهرباء.
تقرأها، تعرف ما فيها، تضعها جانباً.
من غير دموع. من غير ارتجاف.
فقط… تعرف.
وحين لاحظت هذا في نفسك، ربما خفت.
قلت في سرك: هل أصبحت إنساناً بلا قلب؟
هل نسيت؟
هل تغيّرت؟
لا.
ما حدث أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه.
روحك قررت، بقرار صامت لم يُعلنه أحد، أن تخفف الحمل قليلاً حتى لا تنهار.
بدأت تعيش خلف زجاج رقيق.
تتابع من بعيد.
تتلقى دون أن تفتح كل الأبواب.
وهذا الزجاج ليس قسوة.
وليس خيانة لمن يتألمون.
هو آخر ما تملكه النفس حين تريد أن تبقى حية.
المشكلة أن اللحظة الحاضرة تتضخم في النفس حتى تبدو كأنها كل الزمن.
الحرب لا تبدو حرباً في تاريخ طويل، بل تبدو كأنها التاريخ كله.
والخطر لا يبدو مرحلة عابرة، بل يبدو مصيراً مختوماً لا باب له.
والغموض لا يبدو حالة مؤقتة، بل يبدو سقفاً أبدياً فوق الرأس.
وحين تبتلع اللحظة كل الزمن، يختنق الإنسان.
لأنه لم يعد يرى ما قبلها، ولا ما بعدها.
يرى فقط هذا — الآن — وكأنه الصورة الأخيرة للعالم.
وهنا في هذه النقطة بالذات يتكلم القرآن.
ليس بخطبة.
ليس بعظة تشعرك بالذنب لأنك تعبت.
يتكلم بمشهد.
يقول: انظر.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
قف عند هذا الرقم قليلاً.
ألف سنة إلا خمسين.
تسعمائة وخمسون عاماً.
تسعمائة وخمسون عاماً من الدعوة، والسخرية، والوحدة، والصبر الذي لا يرى نتيجة.
كل جيل يأتي ويذهب وهو يرفض.
كل طفل يكبر ليصبح خصماً.
كل أمل يبزغ ليخبو.
ونوح عليه السلام واقف، ما زال واقفاً، وما زال يتكلم.
ثم — بعد كل هذا — سطر واحد:
﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
تسعمائة وخمسون عاماً، وسطر واحد.
كأن القرآن يجلس أمامك ويقول بهدوء عتيق:
ما يبدو لك كأنه لن ينتهي أبداً،
هو في ميزان الله صفحة تُطوى.
ثم يضيف القرآن ما يُسكت ضجيج اللحظة كلها:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
كل شيء عائد إلى حجمه.
الطغيان عائد.
الخوف عائد.
هذه اللحظة الثقيلة عائدة إلى حجمها الحقيقي.
فكيف تستبد بك وهي نفسها محكومة بالفناء؟
ثم يفعل القرآن شيئاً لا أملّ من التأمل فيه.
لا يكتفي بالعزاء، يأخذك إلى النافذة ويقول: انظر إلى الكون من حولك.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
هذا ليس كلاماً للتسلية.
هذا قانون.
قانون التغير.
لا شيء في هذا الكون يبقى على حاله.
الأرض الميتة تحيا.
الليل يصبح صباحاً.
والضعف يصبح قوة، قبل أن يعود ضعفاً من جديد.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾
أنت نفسك لم تبقَ على حال واحدة يوماً.
جسدك يتبدل.
عقلك يتبدل.
حتى جرحك القديم تبدّل، ذاك الذي ظننت يوماً أنه لن يُحتمل.
فكيف تتوهم أن لحظة واحدة ستبقى متجمدة فوق صدرك إلى الأبد؟
والبرق.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرِيَكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
خوفاً وطمعاً في آنٍ واحد.
الشيء الواحد يحمل التهديد والرحمة في اللحظة ذاتها.
المطر الذي تخشاه هو نفسه الذي ستشكره.
وهذا ما تنساه الروح حين تتعب:
أن المشهد لا يكتمل من زاوية واحدة.
وأن حبس البصر في جانب واحد هو وصفة مضمونة للاختناق.
ثم تأتي الآية التي أجدني أعود إليها كثيراً:
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
الله لا يقول: الأرض آمنة.
يقول: الأرض واسعة.
الضيق الذي يحيط بك ليس هو كل الوجود.
هذا الخناق ليس كل الأفق.
ثمة اتساع ما زال قائماً، حتى حين لا تراه.
وحين تتراكم كل هذه الآيات في القلب،
يأتي الأمر الأخير:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
لا يستخفنك.
الاستخفاف أن تُنتزع من ثقلك وعمقك وميزانك.
أن يجعلك صخب اللحظة وضجيج الخائفين تتحرك بلا اتجاه.
أن تتشكّل على صورة الهلع المحيط بك، بدل أن تبقى على صورتك أنت.
الصبر هنا ليس صمتاً.
الصبر أن تبقى أنت.
أن تظل قادراً على أن ترى ما وراء الحاضر.
أن لا تسمح للحظة، مهما ارتفع ضجيجها، أن تعيد تعريف العالم كله من حولك.
إن كانت الأخبار قد أثقلتك، فلا تعاقب نفسك.
وإن كان وجدانك قد بدأ يقتصد في التفاعل، فلا تسمّه موتاً.
ربما كانت روحك تفعل الشيء الوحيد الذي عرفت كيف تفعله:
تحاول أن تبقى.
والبقاء في مثل هذه الأيام ليس هرباً.
البقاء .. عبادة.