الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي

الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي د. محمد الخواجا | طبيب نفسي
أرافقك في طريق فهم النفس، وتحريرها من الألم، لتستعيد كرامتها وتجد معناها.
🌿 عيادات "جنّتي" للطب والرفاه النفسي 🌿
معنا لحياتك معنى.

الدكتور محمد الخواجا
طبيب أمراض نفسية وادمان

البورد العربي في الطب النفسي - مستشفى الملك عبدالله المؤسس الجامعي.
الاختصاص العالي في الطب النفسي - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.
بكالوريوس طب وجراحة - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.
محاضر في كلية الطب -الجامعة العربية الأمريكية.
عضو ممتحن لدى المجلس الطبي الفلسطيني.
استشاري الطب النفسي في مستشفى المقاصد - القدس.
مستشار سابق لدى الهيئة الطبية الدولية.

العيادة في رام الله
0569808088

04/04/2026

تعبت.
هذه هي الكلمة الصحيحة.
لا “أشعر ببعض الإرهاق”، ولا “الأمور صعبة قليلاً”.
تعبت. فقط.
أعرف هذا النوع من التعب.
جلس أمامي كثيرون يحملونه.
عيونهم طبيعية، وكلامهم منطقي، وضحكتهم في محلها أحياناً.
لكن ثمة شيئاً ما .. خلف كل ذلك .. قد أُطفئ.
لا تسألني كيف أعرف.
أعرف فقط.
في البداية كانت الروح تركض مع كل شيء.
مع الصورة، ومع القصف، ومع التحليل، ومع الخبر العاجل الذي يُلقى في وجهك قبل أن تكمل قهوتك.
كان الألم حقيقياً، ونظيفاً، وكاملاً.
كنت تبكي وتعرف لماذا تبكي.
كنت تغضب وتعرف على من تغضب.
كانت المشاعر لها عناوين.
ثم جاء يوم، لا تذكر متى بالضبط.
صارت الأخبار تصلك كما تصل فاتورة الكهرباء.
تقرأها، تعرف ما فيها، تضعها جانباً.
من غير دموع. من غير ارتجاف.
فقط… تعرف.
وحين لاحظت هذا في نفسك، ربما خفت.
قلت في سرك: هل أصبحت إنساناً بلا قلب؟
هل نسيت؟
هل تغيّرت؟
لا.
ما حدث أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه.
روحك قررت، بقرار صامت لم يُعلنه أحد، أن تخفف الحمل قليلاً حتى لا تنهار.
بدأت تعيش خلف زجاج رقيق.
تتابع من بعيد.
تتلقى دون أن تفتح كل الأبواب.
وهذا الزجاج ليس قسوة.
وليس خيانة لمن يتألمون.
هو آخر ما تملكه النفس حين تريد أن تبقى حية.

المشكلة أن اللحظة الحاضرة تتضخم في النفس حتى تبدو كأنها كل الزمن.
الحرب لا تبدو حرباً في تاريخ طويل، بل تبدو كأنها التاريخ كله.
والخطر لا يبدو مرحلة عابرة، بل يبدو مصيراً مختوماً لا باب له.
والغموض لا يبدو حالة مؤقتة، بل يبدو سقفاً أبدياً فوق الرأس.
وحين تبتلع اللحظة كل الزمن، يختنق الإنسان.
لأنه لم يعد يرى ما قبلها، ولا ما بعدها.
يرى فقط هذا — الآن — وكأنه الصورة الأخيرة للعالم.

وهنا في هذه النقطة بالذات يتكلم القرآن.
ليس بخطبة.
ليس بعظة تشعرك بالذنب لأنك تعبت.
يتكلم بمشهد.
يقول: انظر.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
قف عند هذا الرقم قليلاً.
ألف سنة إلا خمسين.
تسعمائة وخمسون عاماً.
تسعمائة وخمسون عاماً من الدعوة، والسخرية، والوحدة، والصبر الذي لا يرى نتيجة.
كل جيل يأتي ويذهب وهو يرفض.
كل طفل يكبر ليصبح خصماً.
كل أمل يبزغ ليخبو.
ونوح عليه السلام واقف، ما زال واقفاً، وما زال يتكلم.
ثم — بعد كل هذا — سطر واحد:
﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
تسعمائة وخمسون عاماً، وسطر واحد.
كأن القرآن يجلس أمامك ويقول بهدوء عتيق:
ما يبدو لك كأنه لن ينتهي أبداً،
هو في ميزان الله صفحة تُطوى.

ثم يضيف القرآن ما يُسكت ضجيج اللحظة كلها:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
كل شيء عائد إلى حجمه.
الطغيان عائد.
الخوف عائد.
هذه اللحظة الثقيلة عائدة إلى حجمها الحقيقي.
فكيف تستبد بك وهي نفسها محكومة بالفناء؟

ثم يفعل القرآن شيئاً لا أملّ من التأمل فيه.
لا يكتفي بالعزاء، يأخذك إلى النافذة ويقول: انظر إلى الكون من حولك.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
هذا ليس كلاماً للتسلية.
هذا قانون.
قانون التغير.
لا شيء في هذا الكون يبقى على حاله.
الأرض الميتة تحيا.
الليل يصبح صباحاً.
والضعف يصبح قوة، قبل أن يعود ضعفاً من جديد.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾
أنت نفسك لم تبقَ على حال واحدة يوماً.
جسدك يتبدل.
عقلك يتبدل.
حتى جرحك القديم تبدّل، ذاك الذي ظننت يوماً أنه لن يُحتمل.
فكيف تتوهم أن لحظة واحدة ستبقى متجمدة فوق صدرك إلى الأبد؟

والبرق.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرِيَكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
خوفاً وطمعاً في آنٍ واحد.
الشيء الواحد يحمل التهديد والرحمة في اللحظة ذاتها.
المطر الذي تخشاه هو نفسه الذي ستشكره.
وهذا ما تنساه الروح حين تتعب:
أن المشهد لا يكتمل من زاوية واحدة.
وأن حبس البصر في جانب واحد هو وصفة مضمونة للاختناق.

ثم تأتي الآية التي أجدني أعود إليها كثيراً:
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
الله لا يقول: الأرض آمنة.
يقول: الأرض واسعة.
الضيق الذي يحيط بك ليس هو كل الوجود.
هذا الخناق ليس كل الأفق.
ثمة اتساع ما زال قائماً، حتى حين لا تراه.

وحين تتراكم كل هذه الآيات في القلب،
يأتي الأمر الأخير:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
لا يستخفنك.
الاستخفاف أن تُنتزع من ثقلك وعمقك وميزانك.
أن يجعلك صخب اللحظة وضجيج الخائفين تتحرك بلا اتجاه.
أن تتشكّل على صورة الهلع المحيط بك، بدل أن تبقى على صورتك أنت.
الصبر هنا ليس صمتاً.
الصبر أن تبقى أنت.
أن تظل قادراً على أن ترى ما وراء الحاضر.
أن لا تسمح للحظة، مهما ارتفع ضجيجها، أن تعيد تعريف العالم كله من حولك.

إن كانت الأخبار قد أثقلتك، فلا تعاقب نفسك.
وإن كان وجدانك قد بدأ يقتصد في التفاعل، فلا تسمّه موتاً.
ربما كانت روحك تفعل الشيء الوحيد الذي عرفت كيف تفعله:
تحاول أن تبقى.
والبقاء في مثل هذه الأيام ليس هرباً.
البقاء .. عبادة.

29/03/2026

عن الحرب ونوبات الهلع …

22/03/2026

في كل مرة تظن فيها أن أعصاب هذه البلاد بلغت حدّها الأقصى، يطلّ العالم بفكرةٍ جديدة تثبت لك أن الخيال السياسي مرضٌ لا علاج له، ثم يطلب منك، بصفاقةٍ، أن تستيقظ، وتحتمل، وتبدو أثناء ذلك ناضجًا، وموزونًا، ومقنعًا أيضًا.

الفهم هنا لم يعد رفاهيةً مريحة، ولا فضيلةً تؤدي إلى الطمأنينة كما وعدتنا الكتب ذات النوايا الحسنة.
تفهم، فتزداد قلقًا.
تتابع، فتزداد إنهاكًا.
وتحاول أن تحتفظ بقدرٍ متواضع ومحترم من اتزانك النفسي، فيأتيك العالم كل بضع ساعات باختبارٍ جديد، كأن هذه المنطقة خُلقت لتكون مختبرًا مفتوحًا لنزوات الجغرافيا، وكأننا، على نحوٍ يفتقر حتى إلى الابتكار، جزءٌ من تجربةٍ جيوسياسية رديئة.

وفي مثل هذه الأوقات، لا يبدو أن المطلوب منّا هو النجاة، فهذا طلبٌ متواضع أكثر مما ينبغي، بل أن نحسن أيضًا الوصف، وأن نختار مفرداتنا بعناية، وأن نبدو، ونحن نختنق، جديرين بالاقتباس.
وقد فعل الناس هذا بما فيه الكفاية، وزادوا عليه شروحًا وتحليلات وتعابير رصينة، حتى صار الخراب نفسه يملك لغةً دبلوماسية تليق به.
أما القلب، بعد كل ما رأى، فلم تعد تنطلي عليه البلاغة بسهولة، وصار أذكى من أن يصفّق للكلام المنمّق، حتى لو جاءه مرتديًا ربطة عنق، أو متكئًا على مصطلحاتٍ ثقيلة تحاول أن تمنح الذبح طابعًا أكاديميًا.

كل ما يحتاجه المرء هنا أقلّ من ذلك بكثير، وأصدق منه بكثير:
أن يعترف فقط بأن الجوّ ثقيل فعلًا،
وأن هذا الاختناق ليس وَهمًا عابرًا،
وأن الإنسان قد يتعب من فرط ما يُطلب منه أن يحتمل، ثم يحتمل، ثم يحتمل أكثر… ثم يُطلب منه، فوق هذا كله، أن يبدو أثناء احتماله متزنًا، ومهذبًا، ومقنعًا أيضًا، وكأننا في مسابقةٍ دولية لأفضل ضحية تُحسن ترتيب جملها.

وهذه، بالمناسبة، ليست شكوى بالمعنى المهني للكلمة.
فالشكوى تفترض، في حدّها الأدنى، أملًا صغيرًا في أن أحدًا ما قد يشعر بالحرج.
وهذا نوع من التفاؤل لا يليق بتاريخ المنطقة، ولا بمواهب العالم المزمنة في التواطؤ، ولا بقدرته المدهشة على مشاهدة الكارثة من زاويةٍ تسمح له بتعديل الإضاءة فقط.

إنها مجرد محاولة لوصف ما يجري في الداخل:
أن تمشي في يومك كالمعتاد،
أن تردّ على الناس،
أن تنجز ما تستطيع،
أن تشرب قهوتك التي لم تعد بريئة كما كانت،
وأن تبتسم أحيانًا ابتسامةً وظيفية، تؤدي الغرض الاجتماعي المطلوب منها من غير اقتناعٍ حقيقي…
بينما شيءٌ ثقيل، داكن، يمرّ في الخلفية على مهل، كأنه يعرف طريقه جيدًا إلى القلب، وكأن هذه البلاد كُتب عليها أن تعيش دومًا على حافة بحرٍ لا شمس فيه.

ومع ذلك، نمشي.
نمشي لأن هذه البلاد، بسخائها القاسي، علّمت أهلها شيئًا لا يُدرَّس في كتب التنمية البشرية:
أن يمشي الإنسان بما تبقّى له من قلب، وبما تبقّى له من أعصاب، حاملًا في صدره هذا الركام كلّه، ثم يخرج إلى العالم بوجهٍ صالحٍ للردّ على التحية، ويسمّي هذا كله .. يومًا عاديًا.

14/03/2026

الدكتور محمد الخواجا متواجد غدا الأحد ١٥/٣/٢٠٢٦ في العيادات الخارجية لدى مستشفى المقاصد في القدس من الساعة ١٠ حتى الساعة الواحدة ..

مع تمنياتنا بالصحة والسلامة للجميع.

10/03/2026

التاريخ يعود، بعنادٍ مملّ، إلى الإيقاع نفسه…

مرةً أخرى: دولة قوية، خطباء لامعون، جمهور مصفّق، وخريطة تبدو من بعيد كأنها وعد. ثم تبدأ الكارثة المعتادة، بخطوة واثقة جدًا.

في سنة 415 قبل الميلاد، كانت أثينا تعاني من ذلك المرض القديم الذي يصيب القوى الكبرى من وقت إلى آخر: الإعجاب المرضي بالنفس.
مدينة قوية، أسطول ضخم، نفوذ واسع، وخطباء يملكون الموهبة الكافية لتحويل الطمع إلى فكرة نبيلة، والجشع إلى مشروع تاريخي.

ثم ظهرت صقلية.

جزيرة بعيدة، مغرية، تبدو على الخريطة كأنها لقمة سائغة. وكما يحدث دائمًا، تبدأ الكوارث الكبرى حين تظن دولة عظمى أن النظر إلى الخريطة يكفي لفهم العالم. فالخريطة مؤدبة أكثر مما ينبغي؛ لا تخبرك عن البشر، ولا عن العناد، ولا عن الطرق الكثيرة التي يمكن أن تتحول بها الحملة اللامعة إلى مستنقع ثقيل.

جاءت الاستغاثة من سيجيستا، فتحولت بسرعة من مساعدة حليف إلى مشروع تمدد. وهنا ظهر المرض الأول: الغطرسة.
ذلك العطب الذي يجعل القوة تتعامل مع نجاحها السابق كما لو كان ضمانًا أبديًا من التاريخ، وكأن الأمس وقّع لها شيكًا مفتوحًا على المستقبل.

وكان هناك ألسيبيادس، لامع، جذاب، خطير، من ذلك النوع الذي يجعلك تفكر في الكوارث بوصفها نتائج طبيعية للكاريزما.
فالبشر، في لحظات الحمى الجماعية، يخلطون بسهولة بين الرجل الذي يملك حضورًا ساحرًا، والرجل الذي يملك بصيرة حقيقية. وغالبًا ما يكتشفون الفرق بعد فوات العدد المناسب من القتلى.

خرج الأسطول الأثيني بعد ذلك في مشهد مهيب يليق بمصيبة كبيرة: سفن كثيرة، رجال كثيرون، وثقة تكفي لإفساد أي حساب عقلاني. ثم وصلوا إلى صقلية، وبدأ الواقع يمارس هوايته القديمة: إذلال الأوهام.

سيراقوسة لم تنهَر.
الحلفاء لم يكونوا كما وُعدوا.
والعالم، بكل وقاحته المعتادة، لم يتصرف كما تشتهي أثينا.

وهنا ظهر المرض الثاني: سوء تقدير الخصم والبيئة.
فالقوة حين تتضخم، لا تكتفي بالمبالغة في نفسها؛ هي تحتاج أيضًا إلى التقليل من شأن كل ما عداها. ترى المسافة رقمًا، والتعقيد هامشًا، والخصم تفصيلًا عابرًا. ثم تتفاجأ، بكل براءة تقريبًا، أن الطرف الآخر لديه حساباته هو أيضًا، وأنه لا يرى نفسه بندًا صغيرًا في خطتها الكبرى.

حين كتب نيسياس إلى أثينا أن الوضع سيئ، كان ذلك هو الوقت المناسب لاستخدام شيء نادر في التاريخ: العقل.
لكن الدول العظمى لا تحب العقل حين يجرح صورتها عن نفسها. لذلك فعلت أثينا ما تفعله القوى المتورطة عادة: أرسلت مزيدًا من القوات.

وهنا ظهر المرض الثالث: مغالطة الكلفة الغارقة.
“The Sunk Cost Fallacy”
بعد أن دفعت رجالًا وسفنًا ومالًا وهيبة، صار التراجع مؤلمًا نفسيًا. لم يعد السؤال: ما القرار الصحيح الآن؟
صار السؤال: كيف نتراجع من غير أن نعترف بأننا كنا مخدوعين بأنفسنا؟

وهكذا تحولت الخسارة إلى مبرر لمزيد من الخسارة، والفشل إلى ذريعة لمزيد من التورط، حتى جاءت النهاية كما تأتي نهايات هذا النوع من الأحلام: هزيمة ثقيلة، انسحاب متعثر، قتلى، أسرى، ومحاجر امتلأت برجال خرجوا يطلبون المجد فعثروا على الغبار.

والحقيقة أنني لا أشعر بأسى كبير هنا.
هناك شيء شبه علاجي في رؤية الغطرسة وهي ترتطم بالواقع.
وذلك لأن القوة حين تتصرف كأنها فوق السنن، يبدو سقوطها أحيانًا أقرب إلى درس متأخر من كونه مأساة.

باختصار، صقلية كانت الحكاية المعتادة نفسها:
غطرسة في البداية،
استخفاف بالواقع في الطريق،
وعجز عن التراجع حين يصبح الرجوع آخر ما تبقى من الحكمة.

التاريخ لا يملّ من إعادة هذا المشهد.
يتغير اسم البحر، ويتغير اسم القائد، وتتغير الخطب…
لكن العقل المتورم يظل هو نفسه، يمشي إلى الكارثة بكامل الأناقة، ثم يتفاجأ جدًا حين يجدها في انتظاره.

08/03/2026

في أوقات الحرب، يحدث شيء قاسٍ لا ننتبه له دائمًا:
فبالاضافة للشعور بالخوف والألم، يبدأ الناس في مراقبة مشاعرهم، وكأن عليهم أن يتأكدوا أولًا أن حزنهم مسموح، وأن وجعهم لائق بحجم ما يجري حولهم.

فجأة، يصبح لكل أحد رأي في ما ينبغي أن نشعر به، ومتى نشعر به، وما الذي يستحق الكلام وما الذي يجب أن يبقى صامتًا.
ويتعلم كثير من الناس، من حيث لا يدرون، أن يُصغّروا ألمهم بأدب.
يقول أحدهم:
بعرف في ناس بتموت… بس أنا متضايق من شغلة صغيرة.
وفي هذه الجملة حزن مضاعف؛
حزن على ما يؤلمه، وحزن آخر لأنه يشعر أن عليه أن يعتذر عن ألمه أصلًا.

أنا أعرف إغراء الجملة الجاهزة؛ تلك العبارة السريعة التي تبدو صحيحة ومطمئنة:
هذا طبيعي بسبب الحرب.
هي جملة لا تخلو من الصدق، لكنها كثيرًا ما تمرّ فوق الوجع بدل أن تلمسه.
فالمراجع لا يأتي ليأخذ جملة صحيحة، بل يأتي لأن شيئًا في داخله صار أثقل من أن يحمله وحده، وأقرب إلى الانكسار مما يبدو للناس.

وقد يكون أسهل ما نفعله أن نطمئنه بسرعة:
لا، مشاعرك مهمة.
لكن المسألة أعمق من ذلك أحيانًا.
لأن ما يوجعه هو الإحساس الثقيل بأنه يحتاج إلى تبرير حزنه، وكأن الحزن لا يكفيه أن يكون صادقًا، بل عليه أيضًا أن يكون كبيرًا، واضحًا، ومقنعًا.

المشكلة أن العالم يتعاطف بسهولة مع الآلام الكبيرة والواضحة.
أما الألم الشخصي المرتبك، الذي يأتي في صورة خيبة، أو هجر، أو غيرة، أو وحدة، أو تعب لا يعرف صاحبه كيف يسميه، فهو يربك الناس.
ربما لأنه يذكّرهم بأن الإنسان، حتى في قلب الكارثة، يبقى إنسانًا صغيرًا وحقيقيًا، له وجعه الخاص، وخساراته الخاصة، وارتباكه الذي لا يشبه أحدًا.

ثم تأتي النصائح الخفيفة:
تنفّس بعمق، خفف الأخبار، نم جيدًا، مارس الامتنان.
وقد تنفع هذه الأشياء أحيانًا، ولا أحد ينكر ذلك.
لكنها حين تُقال على عجل، لإنسان أنهكه الخوف، قد تبدو كأنها تختصر ما لا يجوز اختصاره.
فلا تصغي إلى الفوضى التي في داخله، بل تطلب منها أن تهدأ بسرعة، وأن تصبح أخف، وأسهل، وأقل إزعاجًا.

والذي يأتي إلى العلاج في زمن الحرب لا يحتاج دائمًا إلى نصيحة جديدة.
يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى شيء أكثر إنسانية:
أن يجد من يصغي دون أن يقارن،
ومن يفهم دون أن يختصر،
ومن يترك له المساحة ليقول ألمه كما هو، دون أن يشعر أنه مطالب بالاعتذار عنه، أو بتصغيره، أو بتأجيله إلى وقتٍ أكثر مناسبة.

لأن بعض الوجع لا يطلب حلًا سريعًا.
يطلب فقط أن يُرى، وأن يُحمل قليلًا، وأن يُعامل بكرامة.

الهلع … حارسٌ لا يعرف متى يهدأفي داخل كل إنسان حارس قديم …مشكلته الوحيدة أنه يأخذ عمله بجديةٍ أكثر مما ينبغي.حين تسمع صد...
04/03/2026

الهلع … حارسٌ لا يعرف متى يهدأ

في داخل كل إنسان حارس قديم …
مشكلته الوحيدة أنه يأخذ عمله بجديةٍ أكثر مما ينبغي.

حين تسمع صدى الصواريخ، ومعه صفّارة الإنذار، ويقفز قلبك كقطةٍ فُوجئت بدلو ماء… فالمسألة أبسط مما تظن. لا كارثة نفسية، ولا انهيار عصبي. هناك فقط حارس بدائي يسكن داخلك، استيقظ فجأة وقرر أن ينقذك … سواء احتجت إنقاذًا أم لا.

هذا الحارس لا يقرأ الأخبار، ولا يفهم التحليلات السياسية، ولا يعرف الفرق بين خطر حقيقي وصوتٍ مرتفع. قاموسه صغير جدًا، فيه كلمة واحدة تقريبًا:
ضجيج يساوي خطر.

وهكذا تبدأ الحفلة.

القلب يركض، النفس يتعثر، اليد تبرد، الأفكار تتزاحم كركاب حافلة متأخرة.
ثم - وهنا حبكة القصة - تراقب ما يحدث في جسدك، فيكبر المشهد. كلما راقبت أكثر … حدث أكثر. كأنك تجلس أمام شاشة وتضغط زر الصوت كل دقيقة، ثم تتساءل لماذا صار الضجيج عاليًا.

الدماغ، بالمناسبة، مخلوق حساس تجاه المفاجآت. المفاجأة عنده تعني إنذارًا. الصوت المفاجئ يعني استنفارًا. ومع التكرار، يتعلم الدرس جيدًا: كل صفارة احتمال خطر، كل اهتزاز تنبيه، كل صوت بداية كارثة. هكذا ببساطة. تدريب شَرْطِي ممتاز … لكنه مزعج قليلًا.

ثم يأتي الناس - طيبون لكنهم متوترون - فيضيفون المؤثرات الصوتية:
صرخات، جري، أخبار عاجلة، رسائل عاجلة، تحليلات عاجلة … فيرفع الحارس مستوى التأهب، ويشد الحزام أكثر.

والآن نصل للحقيقة التي لو عرفها الناس لوفّروا على أنفسهم كثيرًا من الرعب:

الهلع ليس عدوك ... الهلع حارس أمن متحمّس زيادة عن اللزوم.

هو موجة ... والموجات تأتي … ثم تذهب.
السر كله أن تطفو حتى تمر.

كيف تطفو؟

لا تحتاج شجاعة خارقة. تحتاج فقط حيلة صغيرة … ثم حيلة ثانية … ثم ثالثة، كأنك تجمع أدواتك بسرعة قبل أن تكبر العاصفة.

أولًا: لا تدخل في عراك مع جسدك.
حين يبدأ القلب بالجري، العقل يحب أن يصرخ: “توقف!”
والقلب - بطبيعته العنيدة - يرد: “سأجري أكثر!”
جرّب بدل ذلك جملة بسيطة:
( تمام … أنت تحاول حمايتي. افعل ما تريد دقيقة واحدة … وأنا سأبقى واقفًا ).
ستتفاجأ: حين تتوقف عن مطاردة الأعراض، تتوقف الأعراض عن مطاردتك.

ثانيًا: اجعل التنفّس قصيرًا وواضحًا ... لا تفتش عن “نفس عميق” كبير … هذا أحيانًا يزيد الدوخة.
خذ نفسًا صغيرًا هادئًا، ثم أخرج زفيرًا أطول ... كأنك تنفخ على شاي ساخن ... كررها عشر مرات.
الزفير الطويل هو الرسالة التي يفهمها الحارس: ( لا يوجد سباق الآن )

وإن أردت طريقة سهلة للحفظ:
شهيق… (ثلاث ثواني)
ثبات… (ثانيتين)
زفير… (ثلاث ثواني)
فقط.

ثالثًا: أعطِ الحواس وظيفة.
العقل وقت الهلع يصبح مثل طفل يركض في البيت ويكسر كل شيء … لأنه بلا مهمة.
أعطه مهمة بسيطة:
انظر حولك وسمِّ الأشياء:
هذا جدار، هذه طاولة، هذا لون، هذا صوت بعيد.
ثم ضع قدميك على الأرض، واضغطهما قليلًا، كأنك تقول للجسد:
(نحن هنا … ولسنا في مكان آخر)

وإن كان المشهد شديدًا، استخدم لعبة صغيرة:
خمسة أشياء تراها … أربعة تلمسها … ثلاثة تسمعها … اثنان تشمّهما … واحد تتذوقه.
في نهاية اللعبة يعود الحارس إلى حجمه الطبيعي.

رابعًا: خفّف وقود “المشهد السينمائي” في رأسك.
الهلع يعيش على سؤال واحد: “ماذا لو؟”
ماذا لو اختنقت؟ ماذا لو انهرت؟ ماذا لو فقدت السيطرة؟
أجب إجابة قصيرة، كأنك تضع نقطة في آخر السطر:
(حتى لو… سأتنفّس دقيقة… وستمر)
لا تُقنع نفسك بخطبة .. جملة واحدة تكفي.

خامساً: الذكر هنا ليس وعظًا… بل "زرّ تهدئة”.
قل بهدوء مع الزفير: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قلها كما تقول لشخصٍ أكبر منك: “تفضل… خذ الأمر من يدي”
معناها بسيط جدًا: أنا سأفعل ما أستطيع … والباقي ليس وظيفتي.

وأخيرًا:
إن ظل قلبك يدق بقوة، فابتسم قليلًا.
القلوب - صدقني - ممثلون بارعون في المبالغة.
لكنهم، في النهاية…
يهدؤون.

إعادة تفسير الألم …دعنا نتفق على ملاحظة صغيرة قبل أن نبدأ:الألم كائن قديم في حياة الإنسان. يظهر بلا موعد، يجلس بلا استئذ...
27/02/2026

إعادة تفسير الألم …

دعنا نتفق على ملاحظة صغيرة قبل أن نبدأ:
الألم كائن قديم في حياة الإنسان. يظهر بلا موعد، يجلس بلا استئذان، ويتصرف كأنه صاحب المكان. الغريب أن البشر تعلّموا التعايش معه بدرجة لا بأس بها؛ يتحمّلون التعب، يتعاملون مع الفقد، يواصلون السير رغم الخسارة، ويصبرون على الانتظار. كل هذا محتمل… إلى أن يظهر سؤال واحد يربك النظام كله:

لماذا؟

لماذا حدث هذا؟
لماذا الآن؟
لماذا بهذه الطريقة تحديدًا؟

هذا السؤال له موهبة خاصة في إزعاج القلب، لأنه لا يبحث عن معلومة بقدر ما يبحث عن معنى. الإنسان يتحمل الألم حين يفهم موقعه من القصة، أما حين يبدو المشهد بلا تفسير واضح… يصبح الثقل مختلفًا .. الشعور بالعبث يثقل الروح ثقلًا عجيبًا.

وهنا يظهر أسلوب القرآن في التعامل مع المسألة. لا يبدّل الحدث فورًا، بل يبدّل زاوية النظر إليه. خطوة تبدو بسيطة… لكنها تغيّر المشهد كله.

يقول الله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

الآية تمنح القلب زاوية رؤية أخرى. الكراهة شعور مفهوم، والضيق إحساس بشري، غير أن المشهد أوسع مما يظهر في اللحظة الأولى. كلمة عسى كلمة مهذبة، لكنها ذكية. تحمل احتمالًا مفتوحًا، احتمالًا يترك بابًا صغيرًا للمعنى. كأن الآية تقول للقارئ بهدوء: المشهد الذي أمامك لقطة واحدة فقط… والفيلم أطول من ذلك.

ما يبدو ثقيلًا الآن قد يحمل وظيفة أخرى.
وما يوجع اليوم قد يخفي أثرًا مختلفًا في الغد.

ثم تأتي قاعدة أعمق، قاعدة تعيد ترتيب الداخل:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

العبارة الختامية تستحق وقفة: يهدي قلبه.
الحدث قد يبقى كما هو، لكن القلب يتلقى شيئًا جديدًا… بوصلة. وهذه البوصلة تغير طريقة السير، حتى لو ظل الطريق كما هو.

النجاة أحيانًا تتعلق بالخروج من الموقف،
أما الهداية فتتعلق بالخروج من التجربة بشيء أثمن: فهم.

تأمل التجارب حولك؛ ستجد أشخاصًا مرّوا بمحن ثقيلة، ثم خرجوا منها بصفاء غريب، كأن الطريق علّمهم سرًّا لم يكن في الحسبان.

وهنا تظهر الآية التي تختصر المعادلة كلها:

﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

التعبير دقيق على نحو لافت. كلمة مع تعني مصاحبة. اليسر يسير بجوار العسر، خطوة بخطوة، حتى حين لا يلفت النظر. العسر صوته مرتفع بطبعه، واليسر صوته منخفض، ولهذا يلاحظ الناس الأول سريعًا، بينما يحتاج الثاني قليلًا من الهدوء كي يُرى.

حين ينتبه القلب لهذا الرفيق الخفي، يتغيّر إحساسه بما يمرّ به. الفهم يبدأ في العمل، والفهم مادة فعّالة في تخفيف الأثقال.

وعند هذه النقطة يكتشف الإنسان فكرة لطيفة:
بعض الجراح تحمل وظيفة،
وبعض الأبواب المغلقة تحرس اتجاهًا آخر.

الحدث نفسه لم يتبدل،
لكن موقعه في القصة تبدّل.

وحين يتبدل موقع الألم في الحكاية…
يتبدل أثره.

هناك أدوارٌ تُصنع تحت الضوء…وأدوارٌ تنمو في العتمة بهدوء، ثم تتوارى كأنها لم تمرّ من هنا.الأم من هذا النوع الذي يعمل في ...
25/02/2026

هناك أدوارٌ تُصنع تحت الضوء…
وأدوارٌ تنمو في العتمة بهدوء، ثم تتوارى كأنها لم تمرّ من هنا.
الأم من هذا النوع الذي يعمل في الكواليس، ويتركنا نظنّ أننا صعدنا الخشبة وحدنا.

يبدو دورُها خفيًّا نفسيًّا لأن أهم ما تفعله يحدث في زمنٍ لا يترك لنا صورًا محفوظة في الألبوم… بل يتركنا نحن.
في السنوات التي لم تكن الكلمات قد زارت أفواهنا بعد، كانت هي اللغة كلّها.
الإيقاع الذي تهدهد به، النظرة التي تبعث الطمأنينة، اليد التي تسبق الدموع، الحنان الذي يصل قبل أن نعرف اسمه، والحدود التي تُرسم حولنا كدائرة أمان… كل ذلك كان يُكتب في داخلنا كتابةً صامتة.

هذه التفاصيل لا تعيش كذكرياتٍ نحكيها، بل كآثارٍ تتحرك فينا.
تستقر في الجسد كاستجابة، في القلب كميل، في الأعصاب كأسلوب تعامل مع العالم.
ولهذا يكبر الإنسان حاملًا بصمة خفية؛
يشعر بها حين يحب،
حين يخاف،
حين ينهار،
ويعجز عن تحديد اللحظة التي بدأت فيها.

هذه البصمة اسمها: أم.

ومن هنا يبدأ الفهم الأعمق.
الطفل لا يتعلّم تهدئة نفسه وحده.
هو يستعير أعصاب أمّه أولًا، يتنفس بإيقاعها، ويستقر على نبرة صوتها، ثم يحمل هذا الإيقاع معه إلى العالم.

كل مرة بكى فيها فجاءه صوت هادئ،
كل مرة ارتجف فوجد يدًا ثابتة،
كان شيء دقيق يتكوّن في داخله.
مع الوقت يتشكل ما يشبه جهاز تهدئة داخلي، عدّاد خفي يخبره أن العالم قابلٌ للاحتمال، وأن الألم يعبر، وأن الناس مساحة يمكن الوثوق بها.

بهذا يكبر الطفل وفي داخله فسحة أمان.
يتعرض للضغط فينحني ثم يستقيم.
يواجه الخوف فيرتجف ثم يتقدم.
يحبّ دون أن يعيش الحب كمعركة بقاء.

هذا الجهاز لم يتكوّن صدفة.
تشكّل في ليالٍ طويلة، وفي تفاصيل بدت عادية لدرجة أن أحدًا لم يلتفت إليها.

ومع مرور السنوات، يدخل الإنسان مرحلة يحتاج فيها أن يرى نفسه مستقلًا.
المراهقة خطوة إلى الخلف كي تتضح الملامح.
الهوية تنفصل قليلًا عن حضن الاعتماد، والعقل يستخدم حيلًا صغيرة تساعده على الوقوف وحده.

إحداها التقليل.
تصبح نصيحة الأم مبالغة، وقلقها تدخّلًا، وكلماتها قديمة.
العبارة الخفية هنا تقول: أنا أستطيع وحدي.

وتأتي حيلة أخرى اسمها الاعتياد.
يتحوّل حضورها إلى خلفية ثابتة في المشهد.
وجود دائم لا يلفت الانتباه لأنه حاضر طوال الوقت، مثل نور الغرفة الذي ننسى أنه موجود.

ويمضي الزمن بهدوء.

ثم تأتي لحظة لا تُرسل إشعارًا مسبقًا.
يقف الإنسان فجأة في مكانها.
يحمل طفلًا بين ذراعيه، أو يحمل وجعًا ثقيلًا، أو خوفًا لا يعرف كيف يهدئه.
عندها يحدث الاكتشاف الصامت:
أشياء عظيمة كانت تُمنح له يوميًّا دون ضجيج،
ودون فاتورة،
ودون أن يدرك قيمتها.

هنا يبدأ الزمن دوره القاسي.
الوعي يصل أحيانًا بعد أن تُطوى الصفحات.
ينظر الإنسان إلى الخلف طويلًا، فتجلس في صدره مشاعر ثقيلة:
ندمٌ كحجر،
حزنٌ كظلٍّ ملازم،
وغضبٌ صامت موجّه إلى الذات لأنه يرى الآن ما لم يكن يراه حين كان قادرًا.

ومع هذا كله، تتضح صورة الغفلة.
الغفلة ليست كلمة شكر تأخرت.
هي مسار بطيء من التباعد.
تفاصيل صغيرة تتراكم حتى تبرد العلاقة دون ضجيج.
يتحوّل حضور الأم إلى أمر مضمون، كأنه قانون طبيعي لا يتغير.
تُختزل في أدوار تؤديها بإتقان: سؤال، ترتيب، اتصال، طعام…
ويغيب الانتباه إلى القلب الذي يخاف ويشتاق ويتعب.

ثم يحدث ما يحدث.
تضعف.
تمرض.
يتغير إيقاع البيت.

عندها يظهر فراغٌ داخلي مربك، كأن نظامًا كاملًا كان يعمل في الخلفية وتوقف فجأة.
الطمأنينة التي كانت تصل بلا جهد لم تعد تصل.
الصوت الذي يعيد ترتيب الفوضى اختفى.

يتضح أن الأم كانت أكثر من حضور عابر.
كانت النظام الخفي الذي يعيد ضبط النفس كل يوم.

ومن هنا تُفهم الوصية المتكررة بالأم.
العقل البشري ينجذب إلى ما يلمع، ويعطي الأولوية للطارئ، بينما يمرّ العطاء اليومي الهادئ مرور الخلفية الثابتة.
تكرار الوصية يرفع هذا العطاء إلى مستوى الوعي.
جرسٌ مبكر يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح “الخفي والمستمر” مكانه الذي يستحق.

بعض الفوات لا يُصلَح.
وبعض الندم يعيش معنا حتى النهاية.

من يملك أمًا اليوم…
يملك فرصةً تتنفس إلى جواره كل يوم،
وينتظر فقط أن يفتح عينيه جيدًا ليراها.

أول النور  …هناك لحظة لا يلاحظها كثير من الناس…لحظة يتحول فيها القلب من الخوف إلى الرجاء.تأتي في هدوء. لا صوت يعلنها، ول...
24/02/2026

أول النور …

هناك لحظة لا يلاحظها كثير من الناس…
لحظة يتحول فيها القلب من الخوف إلى الرجاء.

تأتي في هدوء. لا صوت يعلنها، ولا علامة تشير إليها،
لكن صاحبها يعرفها كما يعرف اسمه.

تأتي غالبًا بعد انكسار طويل. بعد تعب من مقاومة الحقيقة. بعد اعتراف داخلي صامت بأن الطريق الذي كان يسير فيه لم يعد يحتمل خطوة أخرى.

والقرآن حين يخاطب القلب في هذه الحالة لا يوبخه. لا يذكّره بخطئه. لا يعاتبه على تأخره. بل يفعل شيئًا واحدًا:

يفتح الباب.

يقول الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾

تأمل النداء أولًا: يا عبادي.
لم يقل: يا مذنبين.
لم يقل: يا ضالين.
قال: يا عبادي.

كأن الانتماء يسبق العتاب.
وكأن العلاقة لا تنقطع… حتى حين يبتعد الإنسان.

ثم تأتي الكلمة التي تغيّر كل شيء:
لا تقنطوا.

لم تقل الآية: لا تخطئوا.
لم تقل: لا تذنبوا.
قالت فقط: لا تيأسوا.

لأن الذنب مهما كان لا يقتل القلب.
لكن اليأس يفعل.

اليأس هو اللحظة التي يظن فيها الإنسان أن الطريق انتهى. أن الباب أُغلق. أن المسافة صارت بعيدة. أن الرجوع لم يعد ممكنًا. ولهذا كان أخطر ما قد يحدث للإنسان… أن يعتقد أن العودة مستحيلة.

القرآن يقطع هذا الوهم من جذره:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾

كلها.
لا استثناء.
لا قائمة انتظار.
لا ملفّات مغلقة.

الإنسان هو الذي يصنّف الذنوب: كبيرة، صغيرة، مستحيلة الغفران.
أما الله… فيقول: جميعًا.

وهنا يحدث التحول.

القلب الذي كان يخاف أن يرفع رأسه… يبدأ يجرؤ على النظر.
القلب الذي كان يظن نفسه مرفوضًا… يبدأ يشعر أنه مدعو.
القلب الذي كان يظن الطريق انتهى… يكتشف أنه كان فقط متوقفًا.

ثم تأتي آية أخرى تكشف سر هذا الباب المفتوح:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾

الله لا يحب الكاملين.
الله يحب العائدين.

التائب ليس إنسانًا بلا خطأ.
التائب إنسان عرف الطريق بعد أن ضل.

وكم في هذه الكلمة من رحمة خفية:
الله لا ينتظر منك أن تكون بلا ذنب… بل أن تكون بلا إصرار.

ثم تأتي آية ثالثة، كأنها اللمسة الأخيرة في هذا الفصل:

﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾

رحيم… يفهم ضعفك.
ودود… يحب قربك.

الرحمة وحدها قد تطمئنك.
لكن الودّ… يجعلك تحب.

والفرق كبير.

الإنسان قد يطمئن لمن يرحمه.
لكنه يشتاق لمن يحبه.

وهنا تحديدًا يولد الرجاء الحقيقي.
ليس رجاء الخائف من العقوبة… بل رجاء المشتاق إلى القرب.

وفي هذه اللحظة، لحظة النور الأولى، يدرك القلب حقيقة لم يفهمها من قبل:

أن الله لم يكن بعيدًا…
هو فقط كان ينتظر أن تلتفت.

لحظة الكشف… في حياة القلب لحظات نادرة… لحظات لا يتغير فيها العالم حول الإنسان، بل تتغير رؤيته له.القلوب عوالم مختلفة؛ لك...
23/02/2026

لحظة الكشف…

في حياة القلب لحظات نادرة… لحظات لا يتغير فيها العالم حول الإنسان، بل تتغير رؤيته له.

القلوب عوالم مختلفة؛ لكل قلب طريقته في البقاء.
قلبٌ حيّ يتألم، يخاف، يعود، ويتبدل.
وقلبٌ تعلّم مع الأيام فنّ الصمت الشعوري، سكونٌ يحمل أثر تعبٍ قديم أكثر مما يحمل أثر قوة.

القسوة حكاية بطيئة.
لا تُولد دفعة واحدة، بل تنمو كعادة صغيرة تتكرر. يومًا بعد يوم، حتى تستقر في الداخل وتبدو مألوفة، كأنها جزء أصيل من التكوين.

التحول يحدث في هدوء:
كان القلب يبكي،
ثم صار يحزن،
ثم صار يكتفي بانزعاجٍ عابر،
ثم استقر في منطقة باردة… منطقة ساكنة بلا إشارات.

هنا تأتي الآية كتشخيص دقيق:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾

تأمل كلمة ثم.
كلمة قصيرة… لكنها تختصر زمنًا طويلًا.
القسوة جاءت بعد مسار، بعد مراحل، بعد اعتيادٍ ممتد. ولهذا بدت طبيعية في نظر صاحبها.

القلب حين يقسو يهدأ ألمه… لكنه يفقد حساسيته.
وهدوء الألم شعور مغرٍ، غير أن خفوت الحس علامة أعمق: علامة خفوت الحياة الداخلية.

الإنسان حين يتألم يشعر بالحياة.
وحين يخفت الشعور… تخفت معه الإشارات.

ومن هنا يكشف القرآن الجذر الخفي:

﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾

الصورة صورة طريق.
الإعراض خطوة أولى، ثم طريق ضيّق، ثم مسير طويل داخله. ومع المسير تتبدل ملامح الداخل:
المعنى يضيق، والصدر يضيق، والحياة تبدو أضيق.

السبب واضح في عمقه: القلب غيّر وجهته.

ثم تأتي العبارة التي تختصر المسافة كلها:

﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

المشهد يحمل رهبة ساكنة: إنسان يُترك لدوامة نفسه.
والترك حالة ثقيلة؛ لأن التنبيه مهما كان مؤلمًا يحمل عناية، أما الغفلة الطويلة فتحمل صمتًا كثيفًا.

عند هذه النقطة يبدأ الكشف.

الكشف لحظة صدق.
ليس علامة ضعف… بل علامة وعي.
وعي بأن القلب ابتعد، وأن الطريق طال،
وأن ما بدا صلابة كان طبقة قسوة تراكمت ببطء.

في لحظة الاعتراف الصامت يحدث التحول الهادئ:
يلين القلب.

اللين ثمرة صدق.
يولد حين تهدأ المقاومة، وحين يقبل الإنسان أن يرى نفسه بوضوح، وحين يهمس داخله اعتراف بسيط: لقد ابتعدت.

تلك اللحظة لها طعم خاص.
لحظة يعرف فيها القلب اتجاهه.

فالقلب الذي قسا قد يستمر في طريقه،
أما القلب الذي تصدع… فيعود.

ارتباك اليقين…  في حياة الإنسان زلازل كثيرة… أكثرها عمقًا تلك التي تحدث بصمت.لا ضجيج، لا انهيار ظاهر، لا شاهد خارجي.ومع ...
21/02/2026

ارتباك اليقين…

في حياة الإنسان زلازل كثيرة… أكثرها عمقًا تلك التي تحدث بصمت.

لا ضجيج، لا انهيار ظاهر، لا شاهد خارجي.

ومع ذلك يقع التحوّل الحقيقي: موضع في القلب يتبدّل، ونقطة في الداخل تغيّر اتجاهها.

هذه اللحظة لا تحتاج حدثًا ضخمًا كي تولد. أحيانًا تنشأ من عبارة عابرة، أو فكرة خاطفة، أو آية تمرّ سريعًا على السمع… ثم تختار أن تبقى. تستقر في الداخل كما تستقر البذرة في التربة، تنتظر وقتها لتشقّ السكون.

الإنسان كائن مطمئن بطبعه، يحب الشعور بأنه يعرف. يعرف الطريق، ويعرف نفسه، ويعرف ما الذي يفعله هنا أصلًا. المعرفة تمنح إحساسًا دافئًا، حتى حين تكون مجرد رواية لطيفة اخترعها العقل ليحافظ على هدوء القلب. والراحة شعور محترم… لكنه أحيانًا يشبه كثيرًا سكون الغرف المغلقة.

لهذا يأتي القرآن أحيانًا بأسلوب لا يشرح… بل يوقظ:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾

سؤال مهذّب ظاهريًا، لكنه يعرف تمامًا أين يضع إصبعه.
فصورة الخسارة الحقيقية مختلفة قليلًا عن التصور الشائع: أن يصل المرء إلى نهاية الطريق ليفاجأ بأن الطريق كان يؤدي إلى مكان آخر. جهدٌ كامل… واتجاه خاطئ. معادلة أنيقة في ظاهرها، قاسية في نتيجتها.

الإنسان يتحمل التعب بسهولة مدهشة، ويتحمل المسافة الطويلة، ويتحمل الطريق الوعر. المفاجأة الحقيقية تظهر حين تكتشف أن البوصلة كانت تتسلى بك.

ثم تأتي تتمة الآية، وكأنها ترفع الغطاء عن المشهد:

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾

المشكلة لم تكن في السعي… المشكلة في الاتجاه.

أشدّ أنواع الضياع تهذيبًا ذلك الذي يبدو هداية. أن تمشي بثقة، وتشرح للآخرين خريطتك، وتبتسم مطمئنًا… بينما الطريق نفسه يبتسم ابتسامة خفيفة لأنه يعرف النهاية.

عند هذه النقطة يظهر شعور غريب، شعور يشبه طالبًا متفوقًا اكتشف فجأة أنه كان يحل ورقة امتحان مادة أخرى. ارتباك هادئ، أنيق، لا يصرخ… لكنه يبقى. وهذا الارتباك علامة صحة عقلية محترمة، لأنه بداية الصدق.

ثم تأتي الآية التالية، بنبرة من يعرف نهاية الحكاية:

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾

في تلك اللحظة تحديدًا تتضح الصورة بدقة مذهلة. كل شيء يصبح مفهومًا، منطقيًا، واضح الحدود. الفهم يصل كامل الهيئة… لكنه يصل بعد إغلاق الستار.

ومن هنا تأتي العبارة القصيرة التي تختصر المشهد كله:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

جملة صغيرة، تأثيرها كبير. ليست جملة حزن كما يتخيل البعض، بل جملة تنظيم. حين تدرك أن كل ما حولك مؤقت، يعيد عقلك ترتيب الأولويات تلقائيًا. الأشياء الضخمة تفقد شيئًا من تضخمها، والأشياء البعيدة تخطو خطوة للأمام.

الفناء معلومة دقيقة… والمعلومة الدقيقة تغيّر زاوية الرؤية.

وهنا تحدث الزلزلة الحقيقية: زلزلة المعنى.
لا شيء يسقط حولك… لكن أشياء كثيرة تعيد ترتيب نفسها داخلك.

وفي لحظة اهتزاز اليقين القديم يظهر شعور مزدوج يصعب تفسيره: قلق خفيف… وراحة عميقة. قلق لأن الأرض تحركت قليلًا، وراحة لأنك اكتشفت أن بعض الأرض لم تكن أرضًا أصلًا.

وهذه على الأرجح علامة التحول.

Address

Alirsal Street
Ramallah
71935

Opening Hours

Monday 10:00 - 17:00
Tuesday 10:00 - 13:00
Wednesday 10:00 - 17:00
Thursday 10:00 - 12:00
Saturday 10:00 - 17:00

Telephone

+970569808088

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Practice

Send a message to الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي:

Share

Our Story

في هذه الصفحه نسعى لفهم الانسان .. وسبر أغوار النفس ... نشبع شغفاً كبيراً في معرفة كيفية عمل العقل, والدوافع والحاجات الانسانية والسلوك البشري. لنعين الانسان في تحقيق ذاته وأن يكون موجوداً فعلاً ..منتجاً .. حراً .. سعيداً .. راضياً .. واثقاً بالله .. متصلاً بالناس.. الدكتور محمد الخواجا طبيب أمراض نفسية وادمان البورد العربي في الطب النفسي - مستشفى الملك عبدالله الجامعي الاختصاص العالي في الطب النفسي - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية. بكالوريوس طب وجراحة - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية. مستشار سابق لدى الهيئة الطبية الدولية. استشاري الطب النفسي في مستشفى المقاصد.