02/01/2026
تأملات بوباء نقص فيتامين د عالميا
مفارقة فيتامين د بتبدأ من اسمه ذاته، نحن بنسميه فيتامين، لكن في الحقيقة هو أقرب لهرمون مُصنَّع داخل الجسم منه لمادة غذائية جاية من الخارج.
فيتامين د بيتكوّن في الجلد تحت تأثير أشعة الشمس، وبعدين بتحول داخل الكبد والكُلى لشكل نشط بيدخل في تنظيم مئات الجينات، من العظم والمناعة لحد العضلات والمخ. عشان كدا غيابه ما بيعمل عرض واحد مباشر، بل خلل واسع صامت، وده بالضبط السبب البخلي نقصه يحصل بدون ما الناس تنتبه ليه.
غيابه من حليب الأم جزء من الحكاية دي، ما استثناء، لأن حليب الأم اتشكّل عبر آلاف السنين في بيئة كان فيها افتراض أساسي: الشمس موجودة.
الأم والطفل كانوا بتعرضوا للشمس يومياً بكثافة، في الظروف دي، الجسم ما كان محتاج يحمل عبء تخزين فيتامين د في الحليب، لأن المصدر الأساسي كان مضمون وساهل.
لكن الحكاية ما بتقف هنا، فيتامين د لعب دورا محوري في اختلاف ألوان البشر بعد خروجهم من أفريقيا. الإنسان تاريخيا عاش في بيئة استوائية، شمسها قوية، وجلده كان غامق مليان ميلانين بحميهو من الأشعة الزائدة.
لكن لما بدأت الهجرات القديمة شمالاً، قلت شدة الشمس، وبقى الجلد الغامق عائق لتصنيع فيتامين د. هنا الناس الأفتح بشرة قدروا يصنعوا فيتامين د بكفاءة أعلى في بيئات قليلة الشمس، فزاد بقاؤهم وتكاثرهم. لون الجلد، بالمعنى ده، هو حل بيولوجي لمعادلة فيتامين د، ما مسألة جمالية ولا صدفة.
المفارقة إنو نحن اليوم كسرنا المعادلة من كل أطرافها. أصحاب البشرة الداكنة عايشين في مدن، وداخل بيوت، لابسين طويل، ومتجنبين للشمس، في حين إنو أجسامهم مصممة على افتراض شمس قوية يومية، وأصحاب البشرة الفاتحة بدورهم فقدوا ميزة التعويض الطبيعي بسبب نفس نمط الحياة.
النتيجة إنو نقص فيتامين د بقى مشترك بين الجميع، بغض النظر عن اللون أو البلد أو خط العرض. وبقى وباء حضاري، لا مرض فقر ولا مرض جغرافيا.
المشكلة ما في فيتامين د، ولا في حليب الأم، ولا في الجينات. المشكلة في الفجوة بين ما نحن عليه اليوم، وما صُممت عليه أجسامنا عبر عشرات الآلاف من السنين.
عشان كده تعويض فيتامين د اليوم ما رفاهية ولا موضة صحية، بل محاولة متواضعة لسد فجوة تطورية، هو اعتراف غير مباشر بأن نمط حياتنا الحالي، رغم كل تقدمه، بخلينا في بيئة بيولوجية غير مكتملة. المكملات ما بديل مثالي عن الشمس، لكنها أقرب حل متاح في عالم ما عاد بشبه العالم الذي عاش فيه الإنسان تاريخيا.
مفارقة نقص فيتامين د ما لغز طبي بل قصة تطورية كاملة: هرمون صُمم للشمس، ألوان بشر تشكلت حوله، وحضارة قامت على إبعاده، ثم عادت تبحث عنه في كبسولة صغيرة.