22/05/2026
البارحة، وفي الرحلة الثانية من رحلتنا الطويلة، بعد أن غادرنا سوريا ووصلنا إلى الإمارات، كنا نتابع طريقنا نحو الهند.
لم نكن ذاهبين في رحلة عادية. كنا مجموعة أطباء سوريين متجهين معًا إلى الهند للمشاركة في دورة متخصصة في الجراحة، نحمل الشغف نفسه والطموح نفسه، رغم أننا جئنا من مدن ومحافظات مختلفة؛ من حلب ودمشق وجبل العرب والحسكة… وكنت أنا من حماة. مشهد جميل بحد ذاته: أطباء من أماكن متعددة يجمعهم العلم والطب ووجهة واحدة.
لكن ما لم يكن في الحسبان أن يتحول الطريق نفسه إلى امتحان حقيقي.
فجأة عمّت حالة من الارتباك داخل الطائرة، وتم نقل طفل صغير إلى المقصورة الخلفية. اقتربنا لمعرفة ما يحدث، فإذا بطفل عراقي في حالة اختناق وتدهور واضح. وعندما سألنا عن قصته كانت المفاجأة أكبر: كان متجهًا هو أيضًا إلى الهند لإجراء عملية لعلاج تشوه قلبي.
في تلك اللحظة اختفت صفة “المسافرين”.
لم نعد أطباء في طريقهم إلى دورة تدريبية… بل أصبحنا فريقًا طبيًا يعمل وسط السماء.
المشهد كان استثنائيًا بكل تفاصيله: طفل عراقي يصارع من أجل النفس، مجموعة أطباء سوريين من حلب ودمشق وجبل العرب والحسكة وحماة، على متن رحلة بين الإمارات والهند، وحتى مضيفة الطيران التي كانت تقف معنا طوال الوقت كانت من كسب من ريف اللاذقية.
وكأن الجغرافيا كلها اجتمعت في تلك المقصورة الصغيرة.
بعيدًا عن المشفى، ومن دون تجهيزات كاملة أو بيئة إسعافية مثالية، بدأ الجميع يفعل ما يستطيع. لم يكن هناك وقت للتفكير الطويل؛ فقط مسؤولية، سرعة استجابة، وإيمان بأن هذه اللحظة لا تحتمل التردد.
ثم جاءت النهاية التي تمنّاها الجميع.
وصل الطفل بسلام، وتم تحويله مباشرة إلى المشفى فور هبوط الطائرة، وانتهت اللحظات الصعبة بفرحة كبيرة شعر بها كل من كان حاضرًا.
المفارقة التي لن تُنسى أن مجموعة الأطباء كانت متجهة إلى الهند لتعلّم المزيد في الجراحة… لكن قبل أن نصل، منحنا الطريق نفسه درسًا مختلفًا.
درسًا يقول إن الطب لا ينتظر غرفة عمليات، ولا مستشفى، ولا موعد عمل.
أحيانًا يبدأ على ارتفاع آلاف الأقدام، فوق السحاب، عندما يقرر الجميع أن حياة إنسان تستحق أن تتوقف الرحلة كلها من أجلها
هذه الصورة مع والد الطفل بعد انقاذه . ويظهر فيها زميلنا يمسك بجرة الاوكسجين لتأمين استمرار ضخ الأوكسجين للطفل .