29/01/2026
في مثل هذا 27 جانفي من سنة 1980 - إندلاع "أحداث قفصة". وهي اول عملية إرهابية بعد الاستقلال
- شهدت قفصة في مثل هذا اليوم من سنة 1980، إشتباكات مسلّحة خلّفت 18 قتيلا وجريحا في صفوف المدنيين الى جانب استشهاد 38 عونا من الحرس الوطني و3 أعوان شرطة و20 من الجنود المتطوعين، وجرح قرابة 90 من أفراد الحرس الوطني فيما اعتقل 42 من المجموعة المهاجمة.
- جدّت الحادثة يوم الأحد 27 جانفي 1980 عند الساعة الثانية صباحا، عندما انطلقت مجموعة مسلحة متكونة من قرابة 60 مسلّحًا، من الحدود الجزائرية وهاجمت مراكز الأمن من شرطة وحرس وطني داخل مدينة قفصة، بالتوازي مع الهجوم على ثكنة أحمد التليلي التي تقع وسط المدينة، وكانت آنذاك شبه خالية من وحدات الفيلق 11 للمشاة، حيث كانت في مهمّة دورية بالصحراء بالجنوب لمدّة شهر. ولم يكن موجودًا فيها أثناء الهجوم غير فصيل للحراسة وآخر للقيادة والمصالح، وفصيل تابع لفوج الشرف كان يستعد للعودة الى العاصمة بعد مهمّة استقبال الرّئيس بورقيبة في نفطة حيث كان يقضي فترة نقاهة.
- أما ثكنة الهادي خفشة التي تقع على أطراف المدينة بالطريق الرابطة بين قفصة والقصرين فلم يكن موجودا فيها إلا حوالي 300 من المجنّدين الجدد، كانوا تحت تأثير تلقيح (T.A.B) وقد تمّ اقتحام الثكنتين بعد معركة ضارية بين المهاجمين والحرّاس استُعمل فيها السلاح الأبيض والناري وكاتم الصوت، انتهت بقتل الحرّاس رمْيًا بالرّصاص من قبل المهاجمين وسقوط قتلى وجرحى من الجانبين، قبل أن يستولي المهاجمون على كميات من السلاح الخفيف والذخيرة، عجزوا على استعمالها فيما بعد لأسباب فنّية.
- بعد ذلك التحقت المجموعة التي هاجمت ثكنة أحمد التليلي ومراكز الأمن، ببقيّة المسلحين داخل ثكنة الهادي خفشة بعد ما عاثوا فسادًا في طريقهم، واعتدوا على المواطنين وهشّموا سياراتهم المحمّلة بالبضائع. كما تمّ تعطيل حافلة جزائرية كانت في طريقها الى طرابلس وتمّ استخدامها كحاجز من قبل المسلحين بعد أن تم إيقاف ركابها كرهائن، ثم عمدوا إلى الإعتداء على كثير من المواطنين ممّن امتنعوا عن حمل السلاح معهم والالتحاق بصفوفهم لإنجاز "الثورة" حسب زعمهم.
- وفي حدود الثامنة صباحًا ساق المهاجمون كلَّ من في الثكنة إلى معهد ثانوي قريب حيث تم احتجازهم رهائن في قاعة رياضية هناك.
- وفي حدود الحادية عشر وصلت وحدتان من الفوج 33 لمدرّعات الاستطلاع (RBR) بقيادة المقدم آنذاك الطاهر بوبكر من مدينة القصرين.
- وفي حدود الثانية بعد الظهر وبعد تطهير الثكنات والتّمركز داخلها وحول المعهد الذي كان يتحصن فيه المسلحون وقرابة 300 جندي حُجزوا كرهائن، بدأت هذه القوة بالهجوم على المسلحين.
- في حدود الثالثة بعد الظهر وصلت وحدة مدرّعات ثقيلة من الفوج 31 للمصفحات (RC) بمدينة قابس.
- وعند الرابعة عصرا كان كل شيء قد انتهى بعد تحرير الجنود الرهائن الذين اغتنموا بدورهم فرصة اشتباك المسلّحين مع قوات الجيش للهروب والتفرّق داخل المدينة والوصول إلى الخطوط الخلفية لقوات الجيش والاحتماء بها...
- قتل وأسر جُلّ المسلحين إلاّ القليل منهم الذين استطاعوا الانسحاب والتخفي داخل الأحياء السكنية.
- لا بدّ أيضا، من الاشارة الى أمر آخر، فقد جاء على لسان الذين تم القبض عليهم، أنّ النظام الليبي، كان قد وعد المجموعة المسلّحة أن الجيش الليبي، وخاصة المشاة والطيران، سيقوم بمجرّد إطلاق الرصاص في شوارع قفصة، وانطلاقة "الانتفاضة" المسلحة، بالتدخل فورا لدعمها وتثبيت الحكم للثوار، ثم الانسحاب بعد ذلك. وبالطبع لم يحدث أيّ من هذه الوعود.
- أما موقف المجتمع الدولي فكان منقسما بين مندّد ومتردّد ومتفرّج، وبين من هو واضح في موقفه مثل فرنسا التي أرسلت أسطولها الراسي بتولون (Toulon) للتدخل المباشر ولكن المهمة انتهت بنجاح قبل وصول الأسطول الفرنسي. كما عرضت المملكة المغربية مشاركة مروحياتها العسكرية في المعركة فيما التزمت الجزائر الصمت. أما أهالي قفصة فقد باغتتهم الأحداث ورفضوا رفضا باتا مساندة الغُزاة.
- وحتى لا ننسى.. تبقى أحداث قفصة في 27 جانفي 1980 إحدى المحطات المفصلية في تاريخ تونس المعاصر، بما حملته من تداعيات سياسية وأمنية عميقة، لتظل ذكراها مادة للبحث والقراءة في مسار علاقات المنطقة وتقلبات تلك الحقبة الزمنية.