08/01/2026
لا أحد يستيقظ ليقرر "سأكون شريراً اليوم" من فراغ. السلوك العدواني (سواء كان تنمراً، نقداً لاذعاً، أو أذية) هو دائماً "عَرَض" لمرض أو خلل داخلي.
إليك الأسباب العلمية التي تجعل الإنسان يختار هذا المسار المظلم:
1. الإسقاط النفسي (Projection): "ما لا أقبله في نفسي، أهاجمه فيك"
هذا هو التفسير الأشهر. الشخص الذي ينتقدك بشدة على عيب معين، غالباً ما يعاني هو نفسه من هذا العيب أو يخشى وجوده فيه.
مثال: الشخص الذي يشعر بالفشل الداخلي، يكرس وقته لنقد نجاحات الآخرين "ليُنزلهُم" إلى مستواه ويخفف من شعوره بالدونية.
2. آلية دفاعية للتعويض (Compensation)
يرى "ألفرد أدلر" (مؤسس علم النفس الفردي) أن المتنمر يعاني من عقدة نقص (Inferiority Complex).
لكي يشعر "بالقوة" ويسد فجوة النقص في شخصيته، يختار ضحية يمارس عليها السيطرة. التنمر هنا هو وسيلة وهمية لتعزيز "تقدير الذات" المنهار لديه.
3. التماهي مع المعتدي (Identification with the Aggressor)
الكثير من "الأشرار" أو القساة كانوا يوماً ما ضحايا.
الشخص الذي تعرض للإساءة في طفولته قد يتبنى سلوك المسيء كطريقة لحماية نفسه. عقله الباطن يقول له: "أن أكون أنا الجلاد أفضل من أن أعيش دور الضحية مرة أخرى".
4. الافتقار للذكاء العاطفي (Low Emotional Intelligence)
الإنسان السوي يملك قدرة على "التقمص الوجداني" (Empathy)، أي أنه يشعر بألم الآخرين.
المتنمر أو الناقد الجارح لديه "عطل" في هذه الحاسة. هو لا يدرك حجم الأذى الذي تسببه كلماته، أو أنه يدركه ولكن استمتاعه بلحظة "السيطرة" يطغى على تعاطفه.
5. نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory)
الإنسان ابن بيئته. إذا نشأ شخص في بيئة (منزل أو مجتمع) تُقدس القوة، وتعتبر اللين ضعفاً، وتكافئ الناقد المتسلط، فإنه يختار هذا السلوك لأنه يراه "السبيل الوحيد للنجاة والوجاهة".
لماذا يختار البعض "النقد المستمر" تحديداً؟
في علم النفس، يُسمى هذا "العقل الناقد المرضي". هذا الشخص يهرب من مواجهة مشاكله الشخصية عبر الانشغال بعيوب الآخرين.
القاعدة: بقدر ما يكون الإنسان قاسياً مع نفسه في الداخل، يكون قاسياً مع الآخرين في الخارج.
كيف تراه أنت (من منظور الوعي)؟
عندما تدرك هذه الأسباب، ستنتقل مشاعرك تجاه المتنمر من "الغضب" إلى "الشفقة".
أنت ترى شخصاً قوياً يؤذيك.
لكن علم النفس يرى طفلاً خائفاً، محطماً من الداخل، يحاول ترميم نفسه بقطع من كرامة الآخرين.
خلاصة: السوء ليس قوة، بل هو "إعاقة شعورية". الإنسان السوي "ممتلئ" فلا يحتاج لإفراغ سمومه في غيره، أما الشرير فهو "مفلس" يحاول سرقة شعور جيد من خلال تحطيمك.