08/02/2026
من غرفة العلاج النفسي | العيش مع عدم اليقين
في غرفة العلاج،
هناك جملة تتكرر كثيراً، بصيغ مختلفة، وبنبرة متعبة أكثر مما هي قلقة:
«أنا فقط أريد أن أعرف ماذا سيحدث.»
لا تُقال دائمًا بهذه الكلمات.
أحيانًا تظهر في الجسد قبل الصوت:
صدر مشدود، تفكير لا يتوقف، حاجة مستمرة للتخطيط، رغبة في السيطرة على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
عدم اليقين ليس فكرة مجردة.
هو حالة جسدية كاملة.
حالة استعداد دائم… وكأن الخطر قريب حتى عندما لا يكون موجوداً.
كثيرون يظنون أن هذا نوع من الذكاء أو الحرص أو المسؤولية.
وفي البداية قد يكون كذلك.
لكن مع الوقت، يتحول إلى إنهاك داخلي صامت.
من منظور نفسي،
الحاجة الشديدة لليقين نادراً ما تكون حباً بالمعرفة.
غالباً هي محاولة قديمة للشعور بالأمان.
عندما عاش الإنسان في مرحلة ما من حياته:
– في بيئة غير متوقعة
– أو مع مشاعر لم يتم احتواؤها
– أو مع أمان كان مشروطاً
يتعلم جهازه العصبي أن السيطرة هي الطريق الوحيد للنجاة.
فيكبر العقل، لكن الجسد يحتفظ بالذاكرة.
المثير للاهتمام في العلاج النفسي أن عدم اليقين نفسه ليس مصدر المعاناة.
المعاناة تبدأ من علاقتنا به.
من مقاومتنا المستمرة له.
من اعتقادنا العميق أننا لا نستطيع تحمّله.
في غرفة العلاج، لا يظهر عدم اليقين باسمه الحقيقي.
يتخفّى خلف أشكال مألوفة:
تفكير زائد، طلب طمأنة، إرضاء الآخرين، كمالية، انسحاب عاطفي، أو انشغال دائم.
سلوكيات مختلفة،
لكن السؤال الداخلي واحد:
«هل أنا آمن إذا لم أعرف؟»
لهذا، العلاج النفسي ليس عملية البحث عن إجابات أكثر،
ولا بناء خطط أدق للحياة.
العمل الحقيقي يكون في مكان أعمق:
بناء سعة داخلية.
سعة لأن يشعر الإنسان دون أن ينهار.
وأن لا يعرف دون أن يذعر.
وأن يبقى حاضرًا مع الغموض دون أن يتخلى عن نفسه.
مع الوقت، يحدث تحول هادئ لكنه جوهري.
الناس لا يصبحون أكثر يقينًا بالحياة،
بل أكثر أماناً داخلها.
ويتغير الإحساس بعدم اليقين.
يتوقف عن كونه تهديدًا،
ويصبح مساحة.
مساحة للاختيار، للحضور، ولعيش الحياة كما هي، لا كما نريد ضمانها.
الشفاء النفسي لا يعني نهاية عدم المعرفة.
بل نهاية الاعتقاد أن عدم المعرفة أمر لا يُحتمل.
..............................
أسعد الخضر
اختصاصي علاج نفسي بخبرة تتجاوز 10 سنوات، أشارك في هذه السلسلة خلاصات إنسانية ومهنية مستوحاة من واقع العمل العلاجي، بهدف الفهم العميق للنفس وما يدور في المساحات الآمنة للعلاج.
#القلق #التوتر