01/11/2026
في زمن الفيوجن والترند :
الرجوع الي الأصالة قيمة عالية من غير دوشة.
مقال شهر يناير بجريدة اخبار كاريزما الشهرية
نعيش اليوم في زمن تبدو فيه الحياة وكأنها تعمل على درجة حرارة مرتفعة بشكل دائم. كل شيء سريع، صاخب، ومشحون؛ المشاعر تُدار بانفعال مستمر، العلاقات تُقاس بمدى اشتعالها لا بعمقها، والطموحات تُعرَّف بكمّ الإرهاق الذي تخلّفه لا بقدرتها على الاستمرار. حتى النجاح نفسه لم يعد مرادفًا للاتزان أو المعنى، بل صار مرتبطًا بفكرة الاحتراق: أن تعمل بلا توقف، أن تلهث بلا هوادة، وأن تظل حاضرًا في المشهد مهما كان الثمن الداخلي.
في هذا السياق، لم يعد الهدوء قيمة مرغوبة، بل أصبح مثيرًا للريبة. من يختار البساطة يُسأل عن طموحه، ومن ينسحب بهدوء يُتَّهم بالهروب، ومن يفضّل الإيقاع البطيء يُنظَر إليه وكأنه خارج الزمن. هكذا تحوّلت البساطة، التي كانت يومًا علامة نضج، إلى تهمة غير معلنة، بينما أصبح “المولّع” on fire هو النموذج الذي يُحتفى به ويُكافَأ.
لكن، ومع كل هذا الضجيج، يظهر سؤال لا يمكن تجاهله: هل كل ما يلمع يُغذّي فعلًا؟ وهل كل ما هو مشتعل يصلح أن يكون حياة؟
ثقافة الفيوجن، في أصلها، فكرة جميلة. هي محاولة للدمج، للتجديد، لكسر القوالب التقليدية. لكن المشكلة لا تبدأ من الفكرة، بل من الإفراط فيها. حين يتحول الدمج إلى تشويش، وحين يصبح التجديد فقدانًا للهوية، وحين تُستبدَل البساطة بتعقيد لا ضرورة له، نكون قد انتقلنا من التطوير إلى الاستنزاف.
هذا ما حدث في الطعام، ثم انسحب بهدوء إلى الحياة نفسها. أكلات كثيرة اليوم تبدو جذابة بصريًا، مليئة بالمكوّنات والنكهات والصوصات، لكنها تُرهق الجسد ولا تمنحه ما يحتاجه فعلًا. المشهد نفسه يتكرر في العلاقات والعمل وأنماط العيش؛ خليط من كل شيء، لكن دون وضوح أو توازن أو شعور حقيقي بالشبع.
نعيش “فيوجن” في كل شيء: علاقات لا هي واضحة ولا هي منتهية، أدوار اجتماعية متناقضة، توقعات متضاربة، وهوية شخصية تتغير بتغير الموضة. ومع الوقت، يفقد الإنسان إحساسه بما يناسبه فعلًا، ويبدأ في الشعور بتعب لا يعرف مصدره.
في الثقافة المصرية، لا تأتي الحكمة دائمًا في صورة تنظير فلسفي أو خطاب وعظي، بل كثيرًا ما تظهر في التفاصيل اليومية التي اعتدنا عليها حتى كادت تفقد معناها. من بين هذه التفاصيل، تقف الأكلة المصرية البسيطة كرمز بالغ الدلالة: رز وبسلة ولحمة، أو صينية بطاطس بالدجاج.
هاتان الأكلتان لا تحتاجان إلى تعريف ولا إلى ترويج. هما حاضرتان في البيوت لأنهما تقومان بوظيفتهما الأساسية بصدق: تُغذّيان، تُشبعان، وتمنحان إحساسًا بالاستقرار. لا بهرجة، لا ادعاء، ولا محاولة لإبهار أحد. مجرد توازن واضح بين عناصر معروفة.
هذا التوازن هو ما نفتقده اليوم في كثير من جوانب حياتنا. نبحث عن الإبهار، فنفقد التغذية. نلاحق الجديد، فننسى المفيد. ننجذب إلى المشتعل، ونتجاهل ما يمنحنا القدرة على الاستمرار.
ننجذب إلى “المولّع” on fire رغم أنه يُرهقنا.. الانجذاب إلى المولّع ليس حبًا في النار بقدر ما هو هروب من السكون. السكون يُجبر الإنسان على أن يسمع نفسه، وأن يواجه أسئلة مؤجلة: هل أنا مرتاح؟ هل ما أعيشه يشبهني؟ هل هذا الطريق الذي أسير فيه يخدمني حقًا؟ هذه الأسئلة ليست سهلة، ولذلك يصبح الضجيج وسيلة فعّالة للهروب منها.
العلاقات المشحونة، والأعمال المستنزفة، والنقاشات المحتدمة، تمنح شعورًا زائفًا بالحياة والحركة، لكنها في الواقع تشبه الطعام السريع: تشبع لحظة، ثم تترك فراغًا أعمق. ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى إدمان؛ إدمان الانشغال، إدمان الدراما، وإدمان الشعور بالأهمية الناتج عن الإرهاق.
هنا، تظهر الحكمة الشعبية في عبارات بسيطة لكنها دقيقة: “مش كل مولّع مفيد”، و”اللي بيغذّي مش لازم يلمع”، و”مش كل ترند مناسب لمعدتي”. هذه العبارات، رغم خفتها الظاهرية، تختصر وعيًا جمعيًا بدأ يتشكل نتيجة التعب المتراكم.
الأصالة.. تعيش على المقاس الحقيقي .. الأصالة ليست مفهومًا رومانسيًا ولا شعارًا يُرفَع، بل هي ممارسة يومية تعني أن يعيش الإنسان على مقاسه الحقيقي، لا على مقاس التوقعات الخارجية. أن يختار ما يناسب إيقاعه النفسي والروحي، لا ما تفرضه الموضة أو المقارنة الاجتماعية.
في هذا المعنى، تصبح البساطة اختيارًا واعيًا لا اضطرارًا، وتتحول من قلة إلى كفاية. كما نختار أحيانًا الأكل البيتي لأنه “مفهوم” و”مضمون” و”مريح”، نحتاج في حياتنا إلى اختيارات مشابهة: علاقات واضحة لا تحتاج إلى تفسير دائم، أعمال ذات معنى لا تستنزف الروح، وإيقاع يسمح بالاستمرار دون فقدان الذات.
الأصالة هنا ليست رجوعًا إلى الوراء، بل رجوعًا إلى الداخل، إلى النقطة التي يعرف فيها الإنسان ما يناسبه وما لا يناسبه، دون الحاجة إلى تبرير أو دفاع.
الانسحاب الواعي: من ردّ الفعل إلى الاختيار
في مرحلة نضج معينة، يدرك الإنسان أن القوة ليست في الدخول إلى كل معركة، ولا في الرد على كل استفزاز، ولا في مواكبة كل ما هو رائج...
القوة الحقيقية تظهر حين يستطيع أن يقول بهدوء: “الموضوع مش مستاهل”، أو “أنا تمام كده”، أو “كبرت دماغي واخترت المفيد”.
هذا الانسحاب الواعي لا يعني اللامبالاة، بل يعني إدارة واعية للطاقة والحدود. هو انتقال من نمط ردّ الفعل الدائم إلى نمط الاختيار. تمامًا كما يختار المرء وجبة بسيطة ومغذية في يوم طويل بدل أكل ثقيل يُنهك الجسد، يختار الإنسان الواعي علاقاته ومساراته بناءً على قدرتها على تغذيته لا على إثارتها المؤقتة.
العلاقات التي تُشبع لا التي تُحرق .. في زمن تُروَّج فيه العلاقات المشتعلة باعتبارها أكثر حيوية، يغيب عن الوعي الجمعي أن الاستقرار ليس نقيض الشغف، بل شرط استمراره. العلاقة الصحية لا تحتاج إلى نار دائمة كي تثبت وجودها، ولا إلى اختبارات متكررة كي تؤكد قيمتها.
العلاقات التي “تشبع” تشبه الأكل البيتي: بسيطة، واضحة، وقابلة للعيش اليومي. لا تمتلئ بالسكر والنكهات التي تجعلك تدمنها .. لا تعتمد على الشد والجذب، ولا على إثبات الحب عبر الألم، بل على شعور الأمان والوضوح. ومع الوقت، يكتشف الإنسان أن هذه العلاقات، رغم هدوئها، هي الأكثر قدرة على الاستمرار دون استنزاف.
بين الأنا والروح .. صراع قديم بثوب جديد .. الأنا تميل بطبيعتها إلى التعقيد، إلى المقارنة، إلى الظهور والإثبات. أما الروح، فتميل إلى البساطة، لأنها تبحث عن الاتساق والطمأنينة. ومع تراكم الخبرات، يبدأ الإنسان في إعادة تعريف النجاح والمعنى، فيدرك أن الحياة الأقل بهرجة قد تكون الأكثر صدقًا، وأن البساطة ليست تنازلًا بل نضجًا.
وهنا، تتحول العبارات البسيطة إلى فلسفة حياة: “البساطة تشبع أكتر من الاستعراض”، و”الأصلي دايمًا أنضف”، و”قيمة عالية من غير دوشة”. ليست شعارات، بل خلاصات تجربة طويلة مع التعقيد والإرهاق.
ان اختيار ما يُغذّي في عالم يلمع .. في عالم يضغط علينا لنكون دائمًا في حالة اشتعال، يصبح اختيار الهدوء فعل شجاعة. وفي ثقافة تمجّد الفيوجن والترند، يصبح الرجوع إلى الأصيل موقفًا واعيًا لا يحتاج إلى ضجيج. ليست كل نار نورًا، وليست كل موضة طريقًا، وليست كل وجبة براقة مُغذّية.
ربما آن الأوان لأن نعيد الاعتبار لما يُشبع لا لما يلمع ويبهر ويسبب ادمان وتعلق، لما يُغذّي لا لما يُرهق، ولما يشبه رز وبسلة ولحمة وصينية بطاطس بالدجاج في بساطته وصدقه وقدرته على الاستمرار. ففي النهاية، الحياة التي تُغذّي هي الحياة التي يمكن العيش فيها طويلًا دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
ومن قلب هذه الدعوة الهادئة للرجوع إلى ما هو أصيل وبسيط، تأتي رسالة أعمق، تتجاوز الطعام والموضة والضجيج، لتلامس جوهر التجربة الإنسانية نفسها. فالتخلي الواعي عن كل ما هو مُرهِق، وعن كل ما لا يُغذّي الروح، ليس انسحابًا من الحياة، بل اقترابًا أكثر صدقًا منها. هو انتقال من وهم السيطرة إلى حقيقة الثقة، ومن القلق المستمر إلى السلام الممكن.
وهكذا، يصبح الرجوع إلى البساطة ليس فقط خيارًا حياتيًا، بل موقفًا روحيًا؛ أن نعيش بسلام، وأن نثق في حكمة الله في كل ما يكون، وأن نسمح لقلوبنا أن تنبض بالإيمان بدل القلق، وبالطمأنينة بدل الصراع. عندها فقط، تزهر الحياة من الداخل، لا بالضجيج، بل بالحب، والوعي، وسكون جميل يشبه تمامًا الأصيل… الذي لا يلمع كثيرًا، لكنه يُغذّي ويُبقي.
الأصالة لا تُلغِي السعي، بل تُطهّره من القلق، وتحرّره من المقارنة، وتعيده إلى مساره الطبيعي: جهدًا نابعًا من الاتساق لا من الخوف، ومن القناعة لا من اللهاث. هي وعد داخلي صامت بأن ما يشبهك حقًا لن يخذل طاقتك، وأن الطريق الذي تُسلكه بصدق، حتى إن بدا أهدأ أو أقل بهرجة، هو الطريق الأكثر أمانًا على المدى الطويل.
فأنت لا تقول للحياة: “أنا أبتعد”، بل تقول لها: “أنا مستعد أن أعيش بصدق”. مستعد أن ترى ما وراء الألم، لا لتغرق فيه، بل لتفهم رسالته، وأن تسمح للنور أن يظهر لا بالقوة، بل بالصدق.
وهكذا، يصبح الرجوع إلى البساطة موقفًا وجوديًا قبل أن يكون خيارًا حياتيًا؛ أن نعيش على حقيقتنا، وأن نثق أن الله خلق لكل إنسان مساره الخاص، وأن نسمح لقلوبنا أن تنبض بالصدق بدل التشتت، وبالطمأنينة بدل الصراع. عندها فقط، تزهر الحياة من الداخل، لا بالضجيج، بل بالوعي، والحب، وسكون جميل يشبه تمامًا الأصيل… الذي لا يلمع كثيرًا، لكنه يُغذّي ويُبقي.
معًا، نختار أن نصنع واقعًا أكثر صدقًا، وأكثر وعيًا، واقعًا لا يقوم على الاحتراق ولا على التزييف، بل على السلام الداخلي، حيث تعود الأصالة والبساطة الى مكانها الطبيعي كقيمة عليا لا كترف، وحيث يصبح العيش على الحقيقة بداية الطريق، لا نهايته.
معًا، نصنع واقعًا تملؤه المحبة، والوعي، والسلام الداخلي..
Silvana S. Mikhail
Silvana Mikhail
أخبار كاريزما - Charisma News