26/09/2025
تخيل معي المشهد : حي مدني في صنعاء الحي السياسي، اصوات القصف الصهيوني تمزق الليل والنا، دخان كثيف يعلو السماء، والناس يركضون مذعورين. وسط الركام والغبار، تلمع لافتة (عيادة ومختبرات الثقة الطبية الحديثة) وكل ما جاورهه ابوابها الزجاجية محطمة، وادواتها الطبية مبعثرة. المكان الذي كان بالامس ملاذا للمرضى، واملا للفقراء، صار هدفا للحقد – لا لشيء الا لانه كان يقدم خدمة للمجتمع.
في قلب الحي السياسي كانت هذه العيادة والمختبر تقدم خدماتها الطبية والانسانية للمجتمع على اعلى مستوى وباقل الامكانيات. اصبحت ملاذا للفقراء ومتنفساً لانقاذ الجرحى، في وقت غابت فيه كثير من الخدمات الرسمية.
لكن الحقيقة المؤلمة ان الاستهداف لم يبدأ مع القصف الصهيوني. قبل اشهر طويلة،وسنوات كان النافذون قد سبقوا العدوان، استغلوا سلطتهم، واوقفوا هذه العيادة النموذجية عن العمل في نفس المكان . حاربوا خدماتها، وحاصروا رسالتها، ولم يريدوا ان تنقذ جريحاً او تسعف محتاجاً
ثم جاء العدوان الصهيوني ليكمل ما بدأوه. القصف دمر الابواب الزجاجية وتلحق اضرارا كبيرة بالمكان. لكن الاستهداف الاول كان بايدي داخلية اعمت قلوبها المصالح والحقد، هؤلاء الذين كان من المفترض ان يكونوا سندا وداعمين للعمل الطبي والانسانי، اذا بهم يتحولون الى الوجه الاخر للعدوان.
والمفارقة الموجعة ان عشرات الجرحى في نفس المنطقة كانوا بحاجة لهذه الخدمة. فماذا قدم لهم من قاموا باغلاق العيادة؟ هل اسعفوا الجرحى؟ هل عالجوا نزيفهم؟ هل وقفوا بجانب اسرهم؟ ام اكتفوا ببيانات ادانة وتصريحات اعلامية جوفاء؟ بينما من كان يعمل على الارض، بجهد واخلاص، اغلق بقرارات تعسفية.
اليوم نسأل بكل وضوح: ما الذي يزعجهم في عيادة تقدم خدمة طبية نموذجية للمجتمع؟ لماذا تحارب وهي لا تمثل تهديدا لاحد سوى للفوضى والفساد؟ لماذا يحارب الاطباء والمختبرات والعيادات الاسعافية في وقت نحن فيه بأمس الحاجة لكل نقطة دواء ولكل يد اسعاف؟
ان من يحارب العيادات الاسعافية ويتجاهل دورها في انقاذ الارواح لا يختلف عن العدوان الخارجي. كلاهما وجهان لعملة واحدة: عدوان بالقصف وعدوان بالقرارات، عدوان بالصواريخ وعدوان بالنفوذ.
ورسالتنا اليوم واضحة: اوقفوا عدوانكم على العيادات الاسعافية، دعوها تقوم بدورها الانساني، فهي المتنفس الاخير للناس في زمن الحصار والدمار.
د.نضال العزب